عامان على النكثة
إياد الرجوب
كتبت كثيرا عن وطني، عن نكبته ونكسته، بجّلت الشعب كثيرا، وهاجمت سياستنا كثيرا، تارة كنت أنقد المشهد لنعتبر، وتارة أحلله لأوضّح، وأخرى أتنبأ من خلال ما أرى بما سنرى، وصدقت الرؤيا، ومنها كانت رؤياي وزميلين آخرين كتبنا في "الحال" في مثل هذا اليوم قبل عامين، قبل نَكْثِ الأيمان في غزة بأسبوعين، صرخنا يومها مطالبين بزعيم يحكم بالحديد والنار، يعاقب ولا يعفو، ولأن الكتاب العرب دومًا يصرخون في واد وينفخون في رماد، بقي الحال على ما هو عليه، فنكث المعاهِدون أيمانهم التي عاهدوا الله عليها في بيته الحرام، ودخلنا في عدٍّ جديد لسنواتٍ جديدة من ضياعٍ جديد.
عامان مرا على نكثة العهد الإيماني ولا أمل يَلوح بالوفاق، وكأنه تنقصنا تأريخات، فلدينا منها ما ينسينا أعمارنا، كلها تأريخات سوداء لتاريخ أسود، فمن نكبة أكملت عامها الحادي والستين قبل أسبوعين، إلى نكسة تكمل عامها الثاني والأربعين بعد ثلاثة أيام، إلى نكثة لا أحد يدري كم سيصل تعداد سنواتها، وقد لازمتها كلها تقليصات متتالية في مساحة فلسطين حتى لم يعد تلميذنا يدرك الرقم الحقيقي لمساحة وطنه.
قد يكون ثاء النكثة، أخف من سين النكسة الذي هو أخف من باء النكبة، لكنه أشدها إيلاما، فهو الأصل الثالث لثالثة الأثافي التدميرية التي حلت بهذا الشعب، إذ إن بصمتها فلسطينية.
النكثة وَجَعٌ مؤلم، أعيا الأطباء الذين ما زالوا يأملون في العلاج، وجلسات العلاج أخذت أكثر من وقتها، والوجع ما زال قائما ويزداد استفحالا، والأطباء كلٌّ متخرِّجٌ من جامعة لا تفقه في الطب شيئا، جعلوا المريض حقل تجارب لهذا وذاك، وبدأوا يعطونه جرعات دوائية قبل أن يشخّصوا حالته، وليتها كانت مسكنات لإيقاف الوجع على الأقل، فحالة المريض في تدهور خطير.
لك الله يا وطني، فشعبك لم يعد يقوى على شيء بعدما قصوا شفتيه ويديه، وكسروا أسنانه ورجليه، ووضعوه على عربة العجزة ليستجدوا عليه، وزينوا صدره بملصق له يرفع فيه شارة النصر وأَسْفَلوا تحته: "الشعب المقاوم".
الشعب المقاوم- بعد عامين على النكثة ومَلَله من صراع الفصائل على كعكة الوهم- وصل لمرحلة "حَطِّ الراس بين الروس والقَوْلِ يا قَطّاع الروس"، إنها مرحلة اللااهتمام، وإن اهتم؛ فليس بغير الدواء والقوت وأبسط مستلزمات الحياة، حتى إنه لا يقوى على الشكوى من ارتفاع فواتيره من الشركات الاحتكارية في وطنه، إذ يدفعها صاغرًا، فلم يعد الشعب المقاوم يقاوم من أجل الوطن، ولا حتى من أجل الحياة.
----------------------------------------
نشر هذا المقال في جريدة الحال الصادرة عن مركز تطوير الإعلام بجامعة بيرزيت بتاريخ 1 حزيران 2006
من فلسطين