أين دولـة القانـون في السلطـة مـن
تضليل الشعب والعبث بالمصلحة الوطنية؟
إياد الرجوب
لا أدري لماذا كانت الفصائل تصرّ على إظهار عدم توافقها اللفظي في مؤتمرها الصحافي بالقاهرة قبل حوالي أسبوع، فممثل فتح يقول: "لِجنة المصالحة"، وممثل حماس يقول: "لَجنة"، وممثل الديمقراطية يقول: "لُجنة"، ولو كانت اللغة تحوي حركات أخرى لربما انقضّ بها باقي ممثلي الفصائل على تلك اللام التي تشكل رأس حربة اللجنة.
وبافتراض أني مواطن فلسطيني متابع للحدث ولا أفقه في اللغة شيئا؛ أقع تحت تأثير التضليل اللغوي كما الإعلامي، لكنني أدرك أن واحدا فقط من هؤلاء مصيب، أما الآخران فمخطئان، ولتحديد المخطئ من المصيب نحتاج لمراجعة التصريحات المضلِّلة للمستوى القيادي الفلسطيني الذي ظل يخدعنا بتصريحاته في معركة ليّ الذراع بين فتح وحماس.
ففي النصف الثاني من العام الماضي فشل الحوار الفلسطيني بسبب اشتراط حماس الإفراج عن معتقليها السياسيين في سجون السلطة كخطوة أولى للانطلاق في الحوار، ورفضت السلطة ذلك نافية وجود مثل هؤلاء، وطوال عام مضى ظلت السلطة الوطنية وحكومة تسيير الأعمال تضللاننا وتنكران وجود معتقلين سياسيين من حماس في سجون الضفة، وصارت القضية الفلسطينية برمتها معلقة على قرار الإفراج، لأن أي حل للقضية الفلسطينية لا يمكن أن يتم دون إجماع وطني، والإجماع الوطني يتطلب الوحدة، والوحدة تستوجب الحوار، وشرط الحوار هو الإفراج عن المعتقلين السياسيين. وعدم إفراج السلطة عنهم سابقا وموافقتها حاليا لا يعفيها من مسؤولية الفشل الأول.
لقد نشرت "الحال" على صفحتها الأولى قبل شهر فقط تصريحات لرئيس كتلة فتح البرلمانية عزام الأحمد قال فيها إن من تسميهم حماس معتقلين سياسيين هم "معتقلون بتهمة تبييض الأموال أو قضايا سلاح".
وذكرت "الحال" أيضا تصريحات لعضو اللجنة التنفيذية سمير غوشة يقول فيها: "تمت مراجعة هذا الأمر وكانت الإجابات أننا دققنا ولا توجد اعتقالات سياسية".
وأوردت "الحال" كذلك تصريحات للناطق باسم حكومة تسيير الأعمال رياض المالكي يقول فيها: "لا يوجد لدينا أي معتقل سياسي وإنما معتقلون ينوون زعزعة النظام".
وسمعتُ بأذنيّ وزير الزراعة والشؤون الاجتماعية د. محمود الهباش على قناة الجزيرة يتحدى حماس أن تعطيه اسما واحدا لمعتقل سياسي في سجون السلطة.
اليوم، وبعد تدمير غزة، اتضح أن كل ذلك كان تضليلا وخداعا، ففي النهاية تراجعت السلطة وقررت تلبية شرط حماس بالإفراج التدريجي عن معتقلي الأخيرة قبيل بدء الحوار، وهو اعتراف صريح من السلطة الوطنية بأنها كانت تضلل الرأي العام وتحتجز معتقلين سياسيين في سجونها، وإلا فلماذا يُفرج عن هؤلاء إذا كانوا معتقلين على خلفية "زعزعة النظام وتبييض الأموال وقضايا سلاح"؟ وهو ما يعني أن تواصل الانقسام في ظل العدوان الوحشي على غزة ما كان له أن يتم لو وافقت السلطة منتصف العام الماضي على ما وافقت عليه اليوم، مع التأكيد دومًا أن حماس أيضا ليست معفاة من المسؤولية عن الانقلاب أولاً والتصلب في شروطها لبدء الحوار تاليًا، عدا عن أنها أيضا ساهمت في التضليل والخداع اللذين كشفهما القصف الإسرائيلي لسجن السرايا فوق رؤوس بعض معتقلي فتح السياسيين بغزة، ما يضع الطرفين أمام مواجهة التاريخ الذي لن يغفر لهما كل هذا العبث في مصير شعب يريد أن يعيش بكرامة.
في التحريك الثلاثي للام "لَجنة" في مؤتمر القاهرة، كان هناك مخطِئان وقعا في الخطأ عن جهل، أما في موضوع المعتقلين السياسيين فقد كان هناك تضليل مقصود للشعب الذي يعرف صغيره قبل كبيره أن لدى الطرفين معتقلين سياسيين وانتهاكات فاضحة للقانون، وتشويها متعمدا لسمعة معتقلي الضفة الذين أكّد النائب المستقل في "التشريعي" د. حسن خريشة بأنهم "من خيرة أبناء الشعب"، أما معتقلو غزة فقد شوهت حماس سمعتهم بوصفها لهم بـ"العملاء وتجار مخدرات"، بل تجاوز الأمر عند من يتحدثون عن دولة القانون والمؤسسات والشفافية إلى التمرّد على القانون والعبث بقرارات الإفراج الصادرة عن محكمة العدل العليا و"عدم التعامل معها".
في مؤتمر القاهرة أخذت الفصائل حقوقها من بعضها وتشكلت لجان خمس لإنصافها في الحكومة ومنظمة التحرير والأمن والانتخابات والمصالحة، وبقي المواطن هو الخاسر الأكبر ولم تتشكل أي لجنة لإنصافه ومحاسبة الفصائل على العبث بحياته بعدما أفقده تناحرها أهله وبيته ومصدر رزقه، خاصة وأن نسبة المواطنين الفلسطينيين غير المؤطَّرين تفوق نسبة فصائل ذهبت للحوار وهي لا تقوى على تجاوز نسبة الحسم في أي انتخابات. فمن لهؤلاء في ظل كل هذا التجيير الرسمي للصمود الشعبي الفلسطيني لصالح الفصائل؟
المواطن الفلسطيني هو دوما خارج حسابات الفصائل التي كان عددها أطول من طاولة مؤتمر القاهرة الصحافي، والمواطن وحده يدفع فاتورة الخسارة باستمرار، لأنه دومًا مهمَّش، بل ومنتهَك الحقوق، وإذا حصل على وظيفة في مؤسسات السلطة، فإنه يتعرض لتمييز وإقصاء متعمدَين بقصد الإذلال والتسليم بالانقياد لمسؤولين نخرهم الفساد، وما بيان رئيس نقابة العاملين في الوظيفة العمومية مؤخرًا عن رئيس ديوان الموظفين العام إلا شاهد فاضح على المحسوبيات والفساد والانتهاكات القانونية. والمؤلم أن الفصائل كلها تعرف ذلك، والمستقلين في اللجان الخمس يعرفون ذلك، والحكومة تعرف ذلك، والقضاء يعرف ذلك، والهيئة الفلسطينية لحقوق الإنسان "ديوان المظالم" تعرف ذلك، وكل أصحاب القرار يعرفون ذلك، لكنهم لا يحرّكون ساكنا، ويدّعون أنهم يبنون دولة القانون والمؤسسات.
اليوم، بعد ثلاث سنوات من تغذية الحقد الفصائلي، مطلوب من جميع الفصائل والمستقلين أن يبحثوا عن جواب مقنع لتلك التلميذة من جنوب الخليل التي سألت عن سبب فصل معلمتها من التدريس قبل بضعة شهور فقالوا لها: لأنها حماس ووظّفتها حماس، فتعلّمت التلميذة أن "حماس" تعني صفة غير محترمة توجب الفصل من الوظيفة.
المصالحة كما يفهمها المواطن تعني المصارحة، فهل ستكون قيادات الفصائل صريحة معه؟ وهل تجرؤ على الاعتذار له عن كل هذا العبث بالمصلحة الوطنية والتضليل الإعلامي المقصود، لتطوي أسوأ صفحة في تاريخ الشعب المقاوم؟
------------------------------------------------------------
نشر هذا المقال في جريدة الحال الصادرة عن مركز تطوير الإعلام بجامعة بيرزيت في تاريخ 5 آذار 2009
من فلسطين