حرارة حروفنا تحرق أعمارنا
كل بني آدم شعراء، غير أن من يرسمون مشاعرهم يستفرِدون باللقب، ويختفي الآخرون تحت أكوامِ الدواوين
ذبح المرأة حلال

ذَبْحُ المرأةِ حلالٌ

إياد الرجوب

 

ذهبت في أحد الأيام لزيارة أستاذي الذي درّسني النحو في المرحلة الجامعية الأولى، مضى على الزيارة ربع ساعة فحان موعد محاضرته، دعاني لحضورها فوافقت دون تردد، لعلي أسترجع نوعا من المتعة التي كنت وزملائي في التخصص ننعم بها أثناء محاضرة أستاذ النحو، فرغم أن كثيرين من أبناء العربية ينظرون للنحو على انه علم جاف، إلا أن دراسة النحو على يدي هذا الأستاذ كانت أشبه برحلة قطف زهور، وكنا نرى في النحو فاكهة التخصص، لدرجة أننا رفعنا كتابا لرئيس دائرة اللغة العربية في الجامعة نطالبه بتخصيص حلقات بحث التخرج في النحو واللغويات، بعدما كانت مقتصرة على الأدب.
 
عودة للموضوع.. دخلتُ قاعة المحاضرة وجلست في كرسيّ أخير كعادتي وأنا طالب لأبدو أمام أستاذي كما كنت أمامه قبل خمس سنوات، فإياد لم يتغير، دائما يحب الجلوس في الكرسي الأخير وظهره لجدار القاعة، هكذا كان في جميع صفوفه المدرسية وكذلك في الجامعة، وهذا اليوم أيضا أثناء حضوره محاضرة كضَيْف. وجلوسه في هذا الكرسي الأخير له سببان، الأول أنه ذو قامة طويلة ولا يحب أن يجلس في المقدمة فيحجب الرؤية عمّن يَقْصُره، وخاصة الزميلات اللواتي هن جميعا أقصر منه، حيث درس منذ البداية في مدرسة مختلطة.
 
أما السبب الثاني فهو أن إياد دائما يريد أن يكون نظره على كل صغيرة وكبيرة في القاعة، ولا يريد أن يفوته شيء سواء من الأساتذة الذين كثيرا ما كانوا يذرعون القاعة أماما وخلفا أثناء المحاضرة، أم من الزملاء الذين يسألون أو يجيبون، فلم يكن يكتفي بسماع الصوت دون أن يرى من يتحدث ويتتبع حركات يديه أثناء الحديث، وكان شغوفا دوما بمعرفة أي طالب غيره يمتلك إجابة الأسئلة الصعبة، فمعظمها كانت تنتهي إليه.
 
المهم، كانت المحاضرة ذاك اليوم عن إضافة المصادر والمشتقات، وجاء الأستاذ على موضوع إضافة المصدر إلى فاعله، كتب عنوان الموضوع على السبورة وقال: "من يُعرب: "ذَبْحُ المرأةِ حلالٌ""؟ فضجت القاعة بالاستنكار من جميع الطلبة ذكورا وإناثا.
 
 صرخت طالبةٌ بِحُرقَة: حرام عليك يا أستاذ أن تأتي بهذا التركيب، فمعناه يتنافى مع كل الأديان.
 
وعلق طالب مجاور: مهما كانت جريمة المرأة فلا يحل ذبحها.
 
وأضاف آخر: الجملة نحويًّا: مبتدأٌ مرفوع ومضافٌ إليه مجرورٌ وخبرٌ مرفوع، لكن معناها خاطئ.
 
وقال آخر لمن حوله بصوت مسموع: الأستاذ انجن (أي أصابه الجنون)، فرد آخر: لا مش مجنون، يبدو إنه شارب. 
 
وكثر اللغط في القاعة ما بين مستنكر ومستغرب ومستهزئ ومعلق ومصدوم ووو... ، والأستاذ ينقّل ناظريه في عيون الطلبة يكاد قلبه يرقص ضحكا، ينظر إليهم ثم ينظر إليّ مبتسمًا، وأنا بالطبع أفهم عليه تماما.
 
أسكتَهم بسؤاله الثاني بعدما لاقى سؤاله الأول كل ذاك الاستنكار وتلك الضجة، فسألهم: ما هو موضوع محاضرتنا؟ فأجابوا جميعا: إضافة المصدر إلى فاعله. ثم أشار إليّ وقال: إذًا ماذا تقول في معنى جملة الإعراب؟ فقلت: أنا على استعداد لأن آكل من لحم أي خروف أو ديك تذبحه امرأة، فليس في الجملة ما يخالف الدين ولا اللغة، فكلمة "ذَبْح" في جملة "ذبحُ المرأة حلالٌ" مصدرٌ أُضيف إلى فاعله، و"المرأة" مضاف إليه مجرور لكنها فاعل في المعنى، وليست مفعولا به، فالذبح واقع من المرأة وليس على المرأة.
 
فتفاجأ الطلبة في القاعة بعدما اكتشفوا كم كانوا في تحليلهم قريبين من أمراض المجتمع وبعيدين عن موضوع دراستهم، كم كانوا قريبين من ثقافة التشكيك في احترام المرأة عند العرب والمسلمين، رغم أنها تحظى بتقدير واحترام وحماية لدى العرب والمسلمين أكثر مما تحظاه المرأة في المجتمعات الغربية، ولو قرأنا الإحصائيات العالمية عن أوضاع المرأة في المجتمعات الغربية لوجدنا العجب العجاب من حالات الابتزاز والاضطهاد والاغتصاب والقتل اليومي، لكن مشكلة المجتمعات العربية أنها حاضنة لكل ما هو مستورد من الغرب، حتى ثقافة العنف، وفيما يلي إحصائيات رسمية عن وضع المرأة في الولايات المتحدة، فما بالنا بما لا توثقه الجهات الرسمية:
 
- في كل 9 ثوانٍ هناك امرأة يُعتدى عليها جسديا من قبل زوجها!
 
- في كل ربع دقيقة هناك حادثة عنف منزلي أغلبها ضد النساء.
 
- كل دقيقتين ونصف الدقيقة هناك حادثة اغتصاب ضد امرأة أو فتاة.
 
- سدس نساء أميركا تم اغتصابهن في يوم من الأيام.
 
- 200 ألف امرأة أميركية تُغتصب في العام الواحد.
 
- 7% من نساء أميركا تم الاعتداء عليهن جسديا، و37% تم الاعتداء عليهن عاطفيا بالكلام البذيء والشتم.
 
- نسبة النساء الحوامل اللاتي تم الاعتداء عليهن تصل إلى 26%.
 
- نسبة الطلاق في أميركا تصل في بعض الأعوام إلى 50%.
 
كل هذا يحصل في البلد الأكثر تقدما وتطورا في العالم، في البلد الذي يدعي الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وينسى الجميع ومن ضمنهم العرب أن رقيّ أي مجتمع يُقاس باحترامه لنسائه، فإذا كان هذا وضع نساء أميركا، فأين الرقيّ في ذلك المجتمع؟
 
عودة إلى الموضوع.. ربما كل من قرأ العنوان ذهب في تحليله لجريمة ضد المرأة، وهذه هي مأساتنا كعرب، فنحن دائما أقرب إلى سوء الظن، ولا نفترض الخير فينا لننطلق منه في فهم المراد.
 
بعد هذه الثرثرة الطويلة، لا أظن أن المهتمين باللغة سينسون هذا الدرس النحوي، فسيبقون يفرقون بين إضافة المصدر إلى فاعله وإضافته إلى مفعوله.
 

 



أضف تعليقا

اضيف في 26 فبراير, 2009 09:11 م , من قبل amoo2005
من فلسطين said:

الغالي اياد

اسعد الله مساك

وما بعرف بعد ما قرأت موضوعك انفتحت شهيتي للتعليق ..

انا على العكس منك تماما

منذ صغري وانا اعشق الصف الاول سواء بالمدرسة او حتى بالمسجد ، مع اني تعرضت خلال رحلتي التعليمية الطويلة للعديد من المواقف المحرجة ، اذكر لك منها موقف حدث معي في اول يوم حضرت به محاضرة اللغة الفرنسية وهي متطلب جامعي اختياري لطلاب كلية الاقتصاد ، المهم يومها جلست وكالعادة بالصف الاول ، دخل المحاضر وهو استاذ لذيذ جداً باسلوبه وبشخصيته وبمعرفته ، وبعد السلام والتعريف على المساق بدأ محاضرته في اليوم الاول له ..

بدأ محاضرته باسئلة للطلاب باللغة الفرنسية ليعلمنا طريقة نطق الحروف ، ووقع الحظ علي انا ومن كانت إلى جانبي وهي فتاة محجبة بسؤال طبعاً لم نكن نفهم معناه ..

طلب مني ان اقول للفتاة بالفرنسي " تو دنس افك موا " قلت لها ذلك فطلب منها ان ترد علي وتقول لي " وي ، جو دنس افك توا "

المهم بعد هذا الحوار القصير والذي كنا نجهل محتواه وقف استاذنا الفاضل ينظر الينا ويضحك ويقول يالله قوموا ، قلت له شو نقوم وما نقوم ، فرد علي وهو يضحك ، لقد سألتها بترقصي معي ، فردت علي نعم برقص معك ، وانا انتظر رقصتكماههههههههههه يومها البنت احمر وجهها وانا لم ادري ما اقول له ، وقد لاحظظ اننا احرجنا امام الطلاب بعد ان ضحك كل من بالقاعة علينا ، فقال هذا هو اسلوبي ، والمجال امامكم لمن ارد ان يسحب المساق فباب التسجيل لم يغلق بعد ، اعجبني اسلوبه وموقفه معنا كان بالنسبة لي بداية علاقة طيبة به ، تكللت بعلامة 90% باللغة الفرنسية بفصل تخرجي ..

اضيف في 26 فبراير, 2009 09:16 م , من قبل amoo2005
من فلسطين said:

وبخصوص درس النحو قولي شو كنت تكره بالمواد بقولك العروض والنحو ، حتى اني تركت العروض بامتحان الثانوية العامة ولم احاول حتى تقطيع بيوت الشعر التي وردت بالامتحان ، ما بعرف اجد صعوبة بقواعد اللغة العربية منذ صغري واحمد الله ان الله عرفنا عليك لتكون استاذي وموجهي بهالموقع الجميل وتدقق مواضيعي ..

اضيف في 26 فبراير, 2009 09:27 م , من قبل amoo2005
من فلسطين said:

اما المرأة يا صديقي فققصها لا تنتهي ، واسطونة العنف والتحرش ضدها لم اعد اقتنع بها ، وارى ان الموازين انقلبت بعصرنا لصالحها وعلى حسابنا ، واصبحنا بحاجة لمن يدافع عن حقوقنا وبحاجة ايضاً لملاجىء تأوينا ، وله شو رايك انت ..؟؟!!

ولا تصدق كل الدراسات والنسب المطروحة على مواقع النت هكذا علمتني ههههههه

محبتي لك واتحملني

موضوعك الرائع فتح شهيتي للتعليق ، بعد ما زعترت على زعترات الحجة ام سامح ، وهي دعوة لك لتزعتر معي

http://amoo2005.jeeran.com/amoo2009/archive/2009/2/814572.html

اضيف في 26 فبراير, 2009 09:57 م , من قبل eshteyak
من فلسطين said:


أخي الغالي إياد ..

لفت نظري العنوان واستغربته منك أكيد لكن كنت على ثقة إنه لا يبتعد عن مفاجأة أسلوبك الرائع عمل على صياغتها بتشويق فائق للقارىء ..

رائع منك .. وبصراحة أنا استغربت الجملة لأني نسيت النحو ونسيت الإعراب برغم إنه فعلاً كان متعة كبيرة بالنسبة لي في سنة من السنوات ومعك حق الأستاذ هو من يجعل الطالب يعشق مادته ..

أما بالنسبة للمرأة .. أحييك على رأيك أكيد وأتمنى لو كل الزلام يفكروا متل تفكيرك .. هنا بغزة بأشوف السيدة تبقى شايلة طفلها وشنطته وأشياء أخرى وزوجها ماشي جنبها طرزان .. يعني لو قرأ مقالك رح يشخر أكيد شخرة غزاوي مظبطة ..

سلامي وكل تحياتي ..


اضيف في 27 فبراير, 2009 04:02 م , من قبل dodo555555
من مصر said:

إياد العزيز
دائما انت مبدع، ولك طريقتك المميزة جدا فى الكتابة.
اريد ان اقول ان الاسلام اعطى المرأة حقوقها. لكن لا نستطيع ان نكون متفائلين جدا ونقول إن وضع المرأة رائع فى المجتمعات العربية وانها افضل حالا من المرأة الامريكية.
الواقع يقول ان وضع المرأة لدينا متدهور. وهذا ليس مرجعه الاسلام وانما مرجعه بعض العادات والتقاليد المجحفة لها والمجتمع ذو الطابع الذكورى..
هل تعلم يا إياد ان الخلع حق من حقوق المراة فى الإسلام، حيث لا يوجد شىء فى الإسلام اسمه ان يبقى رجل او امرأة فى علاقة زوجية لا يريدها.
هل تعلم ان هذا الحق تم اغفاله فى مصر مئة عام على الأقل وذلك بسبب الطابع الذكورى للمجتمع؟!
قل لى يا اياد عن الحقوق الكثيرة للمرأة المطلقة والتى كفلها لها الإسلام.. كم امرأة تنالها؟!!
قبل ان نتكلم عن اوضاع المرأة فى امريكا يجب ان نصلح حال نسائنا فى بلادنا العربية

اضيف في 27 فبراير, 2009 04:06 م , من قبل hool9000
من فلسطين said:

اخي اسلوبك رائع في توصيل الفكره

وانا قلت اكيد لاعرابها معنى غير
لان النحو معقد بكرهه هههههههه من ايام المدرسه بس بجيب علامات لما ما كنت اعرف اعراب كلمه اقول للاستاذ لا محل لها من الاعراب هههههه كان يفهم اني ما بعرف اعرابها ويعربها لي

تحياتي لك
ام ياسمين

اضيف في 27 فبراير, 2009 04:10 م , من قبل hool9000
من فلسطين said:

اخي اسلوبك رائع في توصيل الفكره

وانا قلت اكيد لاعرابها معنى غير
لان النحو معقد بكرهه هههههههه من ايام المدرسه بس بجيب علامات لما ما كنت اعرف اعراب كلمه اقول للاستاذ لا محل لها من الاعراب هههههه كان يفهم اني ما بعرف اعرابها ويعربها لي

تحياتي لك
ام ياسمين

اضيف في 28 فبراير, 2009 09:55 م , من قبل 12may65
من تونس said:

أخي العزيز وصديقي القريب جدّا من الفكر والرّوح...واللهّ أمتعتنا بهده القصّة الواقعيّة التّي أشهدها يوميّا في الفصل واشهد أسوا منها ...
مقالاتك ممتعة ومجدية دوما إياد...اتعجّب حين أرى ترتيبك...غريب هذا العالم ..أعتقد أنّي أسير حثيثا إلى الوراء في التّرتيب سأكون قريبا منك...
شكرا على كلّ شيء يا أخي...وأرجو لك كلّ مل يرضي ويسعد.
أخوك: لطفي.

اضيف في 03 مارس, 2009 08:53 م , من قبل اكاديمية ابوعاذرة التطويرية
من فلسطين said:

مشكور على المقال
يعطيك العافيه



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية