حرارة حروفنا تحرق أعمارنا
كل بني آدم شعراء، غير أن من يرسمون مشاعرهم يستفرِدون باللقب، ويختفي الآخرون تحت أكوامِ الدواوين
غداء ملوكي لعام 2028
غداء ملوكي لعام 2028
إياد الرجوب
 
في السابع والعشرين من كانون الأول عام 2028 كنت في غزة، دعاني الأصدقاء هناك للغداء على شرف ذكرى الخلاص من التماثيل العربية، كان الغداء غريبا جدا، والأغرب من ماهيته هو اسمه، فأهل غزة يسمونه الغداء الملوكي.
 
والغداء الملوكي هو طعام متعدد الأصناف والأشكال، يقولون إن مكوناته متحدرة من أجساد الزعماء والملوك العرب.
 
يقول أهل غزة إنهم تعرضوا قبل أكثر من عشرين عاما، وبالضبط في السابع والعشرين من كانون الأول عام 2008 إلى حرب شرسة جدا من مجموعة زعران استخدمت فيها أقوى الأسلحة التي عرفتها البشرية، وكان أبناء غزة يستشهدون بالعشرات يوميا، وكانت مشاهد القتل التي تعرضوا لها تعرض على التلفزيونات العالمية وعلى الهواء مباشرة، وحرّكت جميع شعوب العالم فهبوا في مسيرات وتظاهرات حاشدة منددين بما يجري، لكن الزعماء والملوك العرب لم يحركوا ساكنا، وظلوا منزرعين في كراسيهم لا يتزحزحون رغم كل الجرائم، وحاولوا الظهور بأنهم قلقون لما يجري فعقدوا القمم التي بدأت بالكلام وانتهت بأوراق ألقيت في سلة القمامة.
 
لم ينس أهل غزة لهم ذلك الموقف المتخاذل، وما إن انتهت الحرب، وتعافوا من جراحهم، حتى توزعوا في جميع الأقطار العربية يجمعون الزعامات والملوك، ووجدوا مساندة قوية جدا من شعوب هؤلاء الزعماء، فوضعوهم في ميني باص توقف أمام مقر الجامعة العربية لتحميلهم، وأحضروهم إلى غزة، وهناك قرب الحدود مع مصر ذبحوهم وغطوهم بالرمال.
 
وبعد أسابيع كانت هناك أعضاء بشرية تنمو في المكان، أيدٍ كثيرة وأرجل وأمعاء وجلود وآذان وأنوف ورقاب وحتى شعور، وصار المكان بستانا كبيرا مليئا بمئات الأعضاء المختلفة، وكل عضو يتبرعم منه عشرة أعضاء في كل عضو مئة برعم والله يضاعف ما يشاء، وصار البستان أخصب الأراضي الزراعية في غزة، فقرر أهل غزة ترك صيد السمك وامتهان الزراعة، وليس أي زراعة، فقد تخصصوا بزراعة الأعضاء البشرية، وخاصة أعضاء الملوك والزعامات، فهي وحدها التي تنمو وتتكاثر دون أي عناية كما تنمو نباتات المزابل.
 
أُعدت المائدة، كان المنسف لذيذا جدا، فهو من لحم سعوديّ يَمنيّ بدويّ تشتم رائحته عن بعد مئات الأمتار، وتم خلط لحمة سودانية مفرومة مع الأرز، لكنها بقيت يابسة كالكاوتشوك، رغم تأكيد الأصدقاء في غزة أنهم أبقوها تفور على النار عدة ساعات.
 
أما الشوربة فهي من مسحوق جِلْدٍ مصري على فلسطيني على إماراتي، طعمها كان مقبولا نوعا ما، لكن نكهتها العُمانية كانت منفّرة.
 
وسلطة الأصابع المشكّلة من عُقَلٍ جزائرية وتونسية ومغربية وموريتانية كان الذبول فيها واضحا، فكأنما هي مُعدّة قبل أيام.
 
ازدانت الطاولة بكباب رائع، وُضع لفتح الشهية فقط، شكل دون فائدة ترجى من تناوله، لقد عُجِن من لحمة سورية ولبنانية مفرومة بعناية وأضيفت إليها أمعاء أردنية أفسدت المذاق.
 
توزّع الستيك القطري والشُّقَف البحرانية على جميع أطراف المائدة، وفاحت من الدهن الذي يغطيهما رائحة جعلتني أعزف عن تناولهما.
 
وهناك على يمين مُضيفنا الغزّي، كان مركونا صحنٌ كبير مملوء بعيون ليبية بجميع الألوان، ويبدو أن المُضيف رأى الشَّعر الذي يلتصق بأطراف الصحن، فرَكنه إلى يمينه لئلا نأخذ فكرة غير نظيفة عن بيته، مع أنه بعد الغداء قال لنا إن زوجته الغزيّة حاولت جاهدة تنظيف تلك العيون من الشَّعر، غير أنه ظل ملتصقا بها ولم تنظف منه.
 
 لفتت انتباهي على المائدة طبخة غزيّة قال لنا مُضيفنا إنها شاعت في غزة بعد عام 2020، وصارت من أكلات غزة الشعبية، إنها عظام كويتية مطبوخة بدم عراقيّ، فقط عظام ودم، العظام كانت طرية للأكل، لكن الدم كان كثيرا، ما جعل مكونات الطبخة غير متعادلة، فلم يستسغها أحد.
 
وإضافة إلى كل ذلك، وخشية من عدم استحساني لهذا الغداء، أعدّ لنا مُضيفنا ساندويتشات مشكّلة من آذان صومالية مسلوقة، وقلوب جزرقمرية مقلية، وأكباد جيبوتية مشوية، كانت تلك الساندويتشات اكثر ما اشتهيت على المائدة، لولا مُخاط عمرو موسى الذي كان يتسايل من أطرافها.
 
بصراحة، لقد كان الغداء مقززا جدا، فكل طعام كنتُ أشتهيه على المائدة أجد به أو بمحاذاته ما يدعوني للتقيؤ، وخاصة الساندويتشات.
يا له من غداء ملوكي!
 

 



أضف تعليقا

اضيف في 14 فبراير, 2009 09:24 م , من قبل hool9000
من فلسطين said:

معك حق اخي هو غداء ملوكي من طراز خاص جدا ولكن مكوناته لها سرها وخلطتها التي تمتاز بجودتها
فهي مستخلصه من العرب واي عرب ؟ عرب لا يعرفون ماذا تعني غزة !!



ام ياسمين

اضيف في 14 فبراير, 2009 11:01 م , من قبل amoo2005
من فلسطين said:

لا حول الله يا رب

حمداً لله اني تعشيت قبل ما اقرأ عن هالغداء هههههه

والغريب انه بعد كل هالقرف سميته غذاء ملوك هههههههههه

لك دخيلك على هالعقل ، منين خطرتك هالفكرة هههههه

اخر ما كنت اتوقعه انه نتغدى على عيونهم وايديهم ههههههههه

تحياتي يا مبدع

والله يريحنا ويبعدهم عن غدائنا ..

ابو وديع

اضيف في 15 فبراير, 2009 09:29 ص , من قبل eshteyak
من فلسطين said:


الله يسامحك يا إياد ..

أول شي إن شاء الله ربنا يقدرنا ونتخطى الحدود ونوصل لهم ..

من وجهة نظري لو شعوبهم قابلة فيهم فهنيئاً لشعوبهم فيهم ..

لكن إن الله أفرجها علينا بحق وحقيقي وقدرت يا إياد تيجي عندنا على غزة طبعاً وبدون أي مقدمات انت ضيفنا وعزومتك عندنا ورح ناخدك كمان شطحة على البحر ونعملك حفلة شوي من ألذ ما يكون بس من لحوم طاهرة ونضيفة ..

أما عنا يا إياد صدقني تمنينا فعلاً هالحرب توحد العرب وتخليهم يوقفوا وقفة مشرفة لكن هم أثبتوا لنا بتقاعسهم وتخاذلهم إنهم مشتركين بشكل فاعل في هذه الحرب مع الصهاينة علينا ..

يعني لو تركيا خانعة لاسرائيل متل العرب كان وقفت للعدو الصهيوني عند كل كلمة مما يجعل العدو يتنصل ويسحب كلماته بحق تركيا ..

إن لم تكن ذئباً نهشتك الذئاب واحنا عايشين بوسط عالم من الذئاب بلا أي هوادة أو رحمة عم يتعاملوا معنا ..

لو كان لنا حاكم عربي شريف ونزيه متل حكام تركيا كان هيك صار فينا؟

لكن مدام الله معنا لن نبالي بإذن الله ..

تحياتي الدائمة لك وللجميع ..

اضيف في 15 فبراير, 2009 10:36 م , من قبل محمد
من فلسطين said:


أعجبت بشدة بهذه الكلمات، التي لا يستطيع أن يوظفها في سياقاتها التي وردت إلا كاتبا وأديبا وأرجو أن لا أكون مبالغا إن قلت مفكرا، لأن قليلين من يمتلكون ملكة توظيف المصطلح ليعي معنى ورمزا وايحاء يقصد الكاتب ايصاله الى المتلقي.. هنيئا

ولكن ومع اعجابي ثمت قلق ينتابني على الحياة الشخصية لكاتب النص الذي خطت يده السطور الآنفة.

اضيف في 19 فبراير, 2009 12:07 م , من قبل dodo555555
من مصر said:

اتيت الى مدونتك متعقبة رائحة تعليقك الذكى الذى تركته فى مدونة الاخ وديع على موضوع الفتوى المضحكة اياها، فوجدتنى محقة فى تتبعك، فلك اسلوب فى الكتابة متفرد ومتميز جدا.
سأحرص على تعقب مقالاتك دائما ان شاء الله



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية