حرارة حروفنا تحرق أعمارنا
كل بني آدم شعراء، غير أن من يرسمون مشاعرهم يستفرِدون باللقب، ويختفي الآخرون تحت أكوامِ الدواوين
المعاق الفلسطيني.. الآن وفي كل يوم

المعاق الفلسطيني.. الآن وفي كل يوم

إياد الرجوب

 

لم يذكرني بالمعاقين الفلسطينيين يومُ المعاق، بل تذكرتهم أمس عندما رأيت أحدهم يستجدي حقوقه على عتبة إحدى الوزارات، واكرر حقوقه مئة مرة، وأنفثها في وجه الحكومة كاملة، علّ هناك من تستفزه الحالة، فانا كنت ناسيا المعاقين تماما، والعيب ليس عندي، وأظنني غير ملوم في نسيانهم، ما دمت لا أجلس في مركز اتخاذ القرار، فلست مسؤولا لأنفر خفيفا وثقيلا أضرب على طاولات وزراء الصحة والشؤون الاجتماعية والمالية وغيرها من الوزارات المعنية، كي أطالب بحقوقهم، فمن أنا حتى يسمع مني الوزير؟
 
لم يعد خافيا أن تذكر المعاق لا يكون إلا في يومه، يوم المعاق، وهذا إن نم عن شيء فإنما ينم عن أن الاهتمام الزائد بالمعاقين في ذلك اليوم هو اهتمام إعلامي فقط، وننسى أن معظم معاقينا كانوا أوائل المقاومين من أجل الحرية، فقد شاء القدر أن يكون الشعب الفلسطيني في هذا المكان، وجوار هذا الجار، أو – بتعبير أدق- أن يأتي هذا الجار ليجاوره في مكانه بعد أن اقتطع له نصيبا منه وادّعى ملكيته التاريخية له، ورضينا بهذا القدر الرباني الذي أقحمت البشرية نفسها في فرضه علينا بقرارات الشرعية الدولية الجائرة، وبسبب العلاقة مع هذا الجار على مدى عقود عدة، كان لا بد من نتائج لهذه العلاقة، وهي- كما يعلم العالم اجمع- علاقة رفض فلسطيني لإملاءات وانتهاكات وجرائم إسرائيلية، ومن أبرز شواهد هذه النتائج وجود جيش من المعاقين في صفوف هذا الشعب العظيم.
 
ولعل إحصاء بسيطا للإعاقات الموجودة بين أبنائنا يشير إلى أن معظمها ناجم عن الاحتلال، من خلال استهداف بالرصاص أو الضرب، أو الترويع، أو بالتشويهات الجينية قبل الولادة، التي يسببها استخدام الأسلحة المحرمة دوليا، ومنها اليورانيوم المستنفد والغازات السامة.
 
الآن نحن أمام حقيقة واقعة، فبما أن وجود إخوتنا المعاقين أصبح تحصيل حاصل عن مقاومة لا تنتهي إلا بتحقيق الحرية والاستقلال، فإن على من هم مسؤولون عن هذا الشعب وهذه المقاومة، وبالتالي عن هذه النتائج- ومنها الإعاقات- أن يراعوا رعيتهم فيما آلت إليه أوضاعهم.
 
قد يكون القيام بعملية إحصائية كاملة شاملة لهؤلاء المعاقين أولى خطوات مكافأتهم على تضحياتهم، فيُعرف عددهم أولا، وتُحدّد نوعية إعاقاتهم وتُجدول، وتُدرس ظروفهم المعيشية، عدا عن أعمارهم التي تُحدِّد طريقة التعامل معهم والاهتمام بهم.
 
المعاق بالدرجة الأولى إنسان، وكل إنسان له حقوق يجب توفيرها له في كل الظروف، خصوصا في ظروف كونه معاقا، إذ إنه حينئذٍ لا يقوى – على عكس غيره من المعافين- على تحصيل حقوقه، فليس هناك شخص أو جهة قادرة على توفير الحقوق للمعاق أكثر من الدولة التي يعيش ضمن حدودها وقوانينها، وبالتالي يكون المعاقون أمانة في عنق الدولة، أو السلطة الوطنية في وضعنا الفلسطيني.
 
المعاق لا يختلف في طموحه وهدفه من الحياة عن أي إنسان آخر، إلا أنه يصطدم بعد إعاقته بالواقع، وهنا تبرز حاجته إلى جهة ترعاه، وتنمي مواهبه، وتطور أفكاره، وتساعده في تحقيق طموحه، ولا يجوز لنا – كأناس على أقل تقدير- أن ننظر للمعاق على أنه أقل فعلا أو إنتاجا من غيره، فلكلٍّ مجالٌ خاص، مثله مثل أي حامل شهادة علمية، فحامل شهادة التاريخ لا يتقن تدريس الرياضيات، وكذلك هو المعاق، فمن فقد ساقيه يكون بالتأكيد قد ملك قدرات أخرى، فيداه سليمتان، وعيناه كذلك، وأذناه وعقله أيضا، بذلك يمكن أن يعيش مسجلا أروع الإنجازات، ولا يقل في ذلك أي معاق اختلف نوع إعاقته، فكم من أساتذة مكفوفين خُلّدوا في الذاكرة، وكم من مقعدين أصبحوا قادة سياسيين، وكم من بُكمٍ عملوا في مهن متنوعة تفوقوا فيها على أصحاب البلاغة التعبيرية، فالطاقة موجودة في كل معاق شرط أن نحسن الوصول إليها، ونهتم بها، وتجد من يرعاها ويُنمّيها.
 

ومن المؤسف ألاّ نجد لهؤلاء المعاقين مكانا بيننا في العمل، فمنذ زمن ونحن نسمع عن تخصيص نسبة خمسة في المئة للمعاقين في الوظائف الحكومية، لكننا لا نراهم بيننا حتى الآن، فعلى الجهات المسؤولة إعداد خطة لدمج هؤلاء في وظائف مناسبة حسب إعاقاتهم المختلفة، حتى يقتربوا من أهلهم وإخوانهم في ميادين الحياة، ويشعروا بإنسانيتهم ويثقوا بأنفسهم، ولا نذكرهم بين الفينة والأخرى بإعاقتهم ونعتبرهم يشكلون عالة على المجتمع، بل الذي يشكل عالة على المجتمع هو ذلك الذي لا يرى النور في نهاية النفق، حتى لو كان النفق طويلا ومتعرجا، فيقينا سنصل إلى هدفنا، وها هي سنوات الاحتلال التي ختمت عقدها السادس، تثبت للعالم أن الشعب الفلسطيني لم يفقد أمله في الحرية والاستقلال، وهذا هو طموح كل فلسطيني، المعاق قبل غيره، ودليل أسبقية أمل المعاق هو إعاقته التي تشهد له بأنه كان يتقدم الصفوف لتحقيق هذا الأمل المنشود.

 

 



أضف تعليقا

اضيف في 28 يونيو, 2008 10:12 ص , من قبل taleen84 said:

أخي اياد

من السخرية ان نقول يوم المعاق

وكاننا نؤرخ اهمالنا

ونريح ضمائرنا بيوم واحد

من يعايش هموم ذوي الاحتياجات الخاصة

يدرك انهم لا يختلفون

بل في بعض الاحيان يتميزون عنا

عايشت فئة " الصم" ولكم تفاجأت بمواهبهم

ومقدراتهم

لكن سوء الاهتمام بهم يجعل منهم بالفعل معاقين باللفظ القبيح

نحن من نصنع من ذوي الاحتياجات الخاصة معاقا لا يمكن شيء ليصنعه،،

مقالك جميل جدا

كعادتك ،،

كل الاحترام والتقدير

اضيف في 28 يونيو, 2008 11:09 ص , من قبل sham4me
من سوريا said:

هذا صحيح ...

فالمعاق ابتلي بإعاقته ...

ولادية كانت أو مفروضة عليه ..


ولا نستطيع أن ننسى أسبابها من أسلحة أزهقت أجساد الأصحاء ...

وإهانة عاش ومات ومازال ...يتلقاها هؤلاء ...

ولكن أحب الإشارة إلى نوع آخر من المعاقين ...

فالكثير منّا ابتُلي بإعاقة التفكير ...

وإعاقة اتخاذ القرار .. وإعاقة اختيار المصير ...

لا جعلنا الله

لا من المعاقين جسدياً .. ولا المخطئين في اتخاذ القرار ...

ولك الشكر على حسن الاختيار ..

صديقتك .. نوّارة



اضيف في 28 يونيو, 2008 10:47 م , من قبل firdaousmaroc
من المغرب said:

شكرا لك اخي اياد على حسن الانتقاء

ربنا يعين اصحاب ذوي الاحتياجات الخاصة

خصوصا الذين فرضت عليهم

بسبب ما يعانوه من مشاكل

لا يمكن ان يشعر بها الا من يعايشهم

او يعيش هذه الوضعية

نسال الله اللطف بهم و بنا

بارك الله فيك

احترامي

اضيف في 29 يونيو, 2008 07:51 ص , من قبل didii
من مصر said:

أخى إيااد

طرحت موضوع فى غاية الاهميه

وهو المعاق او ذوى الاحتياجات الخاصه

وانا معكـ انهم فئه ليست بالقليله فى مجتمعاتنا

ولا يكفيهم يوم فى العام حتى نتذكرهم به يكفيهم عمر كامل حتى نعوضهم عن ما الم بهم

فلن يكفيهم ان يرو فى اعيننا نظرة عطف تفهم على انهاا شفقه

اخى هم بحاجه الى رعايه واهتمام ولكن من يسمع ومن يدركـ؟

لكـ خالص احترامى وتقديرى

دنياا

اضيف في 29 يونيو, 2008 09:32 م , من قبل amoo2005
من فلسطين said:

صديقي العزيز اياد

مره احد المسؤولين على شاشتنا الموقره بقول : كلمة معاق كلمة تجرح احساس المصاب وبا حبذا لو انا نطلق عليهم اسم ذوي الاحتاجيات الخاصة ..!!

انا صراحة اتحفظ على هذة التسمية وارى أن تسميتهم بذوي الاحتياجيات الخاصة تخفى الكثير من معاناتهم بل واحياناً يهملون ولا يلاقون الرعاية المطلوبة عندما نقلل من وصف معاناتهم ..

بتعرف يا صديقي انه مشكلتنا نحن بفلسطين انا وقتين ، يعني عندما يصاب الجريح باعاقة نقوم بتكريمه وندعوه للعديد من المهرجانات والاحتفالات وبعد سنة بالكثير نهمله ويصبح يستجدي الوزرات ، وهذا تقصير لا يخفى على احد ، لكني قبل مدة قرأت خبر حبذا لو يصبح ظاهره جديدة تبتلى بها المدن والقرى الفلسطينية ، وهي اقامة حفل تكريم لاحد الجرحى ممن اصيبوا قبل 18 عاماً في مدينة الرام بمحافظة القدس الشريف ..

اشكرك على الطرح صديقي والحديث معك لا يمل لكن عامل الوقت اكبر مني ..

ابو وديع

اضيف في 30 يونيو, 2008 05:54 م , من قبل fleuredujasmin
من الجزائر said:

السلام عليكم

أخي الفـــــــــاضل أيـــــــاد موضوع يستحق التأمل والتوقف عنده كثيرا ما تُهمش هذه الشريحة في مجتمعاتنــــا مع الأسف الشديد

موضوعك جد هــــــــــام سيطول فيه الحديث

أشكر حسن إنتقــــــــــــــاؤك

وأشكر فكرك النيّر

أختك يـــــــــــــــــاسمين

اضيف في 01 يوليو, 2008 01:06 ص , من قبل odad
من فلسطين said:

تالين..
نور..
فردوس..
دنيا..
أبو وديع..
ياسمين

أشكركم وأحييكم على توافقنا جميعا في النظرة للمعاق الإنسان، بصرف النظر عن التسمية، فهو بالدرجة الأولى إنسان، ضحية، فليس لنا إلا الوقوف إلى جانب الضحايا، لأنه ربما كانت او تكون عدة دقائق هي التي فصلتنا أو تفصلنا عن ان نكون بينهم وفي صفوفهم، فمن يدري ما تخبئه له الأيام؟ وبخاصة إذا كان يعيش في منطقة صراع دائم.

صدقتم والله
فمن يعايشهم يدرك كم هم في بعض الأحيان يتميزون عنا

رأيت كثيرا منهم
وسمعت عن كثير منهم
وقرأت عن كثير منهم
فعرفت أن كلا منهم في داخله معجزة
لكل منهم طاقة كامنة لا يكتشفها إلا من يغوص في أعماقهم.


نسأل الله لهم ثواب صبر حسنا

حفظكم ربي ورعاكم
إياد

اضيف في 01 يوليو, 2008 06:54 ص , من قبل mohammedabiby
من مصر said:

صديقى اولا انا ضد تسميه الانسان الفاقد لاحد اعضاء جسده بالمعاق
فهو انسان قادر على العمل المتناسب مع طبيعة حركة جسده
وهناك من الاسوياء بعض المرضى طريحى الفراش الغير قادرين على ان نسميهم معاقين
لذا وجب على اى حكومه وليست حكومه فلسطين فقط
ان توفر لهؤلاء الاشخاص عملا من اجل الرزق الحلال
ده ان تكون هناك نسبه او غير ذلك
طالما ان الانسان قادر على اداء عمل معين ايا كان هذا العمل فهو انسان قادر على العمل
تقبل مرورى

اضيف في 01 يوليو, 2008 11:02 ص , من قبل odad
من فلسطين said:

العزيز محمد
قد أختلف معك في التسمية من حيث الجهة التي نوجه إليها الخطاب، فتسمية ذوي الاحتياجات الخاصة تسمية تجميلية لواقع أليم، وإذا خاطبنا بها المسؤولين لنكشف معاناة هؤلاء المنسيين، لا اظنهم سيتفاعلون معها بقدر ما نخاطبهم بتسمية المعاقين وننفثها في وجوههم بكل دلالاتها المجتمعية والإنسانية لعلهم يشعروا بهمها وألمها.

هذا طبعا عدا عن أن وصف معاق يؤكد أن هذا الإنسان ضحية، فهو مفعول به وقع عليه فعل الإعاقة فغدا كسير الجناح، أما وصف ذوي الاحتياجات الخاصة فأحيانا لا يعبر عن المأساة التعبير الصادق.

لكنني لا أختلف معك في قدرات هؤلاء، فهم بحق أناس قادرون على العمل المتناسب مع طبيعة حركة أجسادهم.

تقبل شكري على مرورك
إياد




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية