آخر رسائل الحب
عشرون رسالة قبل القرار
الجزء الثاني
إياد الرجوب
الرسالة السادسة:
سيدتي ومولاتي،
لعل الشيء الوحيد الذي استفدته من عملي في الصحافة هو الدقة في التعبير النابعة من الاختصار، فهناك صفات كثيرة تتلو الأسماء يمكن الاستغناء عنها لأنها مفهومة من السياق، فمثلا في جميع الأخبار المتعلقة بفلسطين لا نذكر الإسرائيلي كصفة للاحتلال، فلا احتلال غير الإسرائيلي في فلسطين، مع أن كثيرا من الصحافيين يستخدمون تعبير الاحتلال الإسرائيلي عند الحديث عن فلسطين، فأسارع إلى شطب كلمة الإسرائيلي، وكذلك بالنسبة لتعبير المستوطنات اليهودية، إذ أشطب صفة اليهودية، فلا مستوطنات غيرها في فلسطين، ومثلها الضفة الغربية، فأشطب صفة الغربية وأبقيها الضفة فقط، فليس هناك أحد يستخدم صفة الضفة الشرقية بدلا من الأردن.
غاليتي،
أعرف أن هذا الكلام ممل جدا، وهو مقدمة طويلة لموضوع أقصر، أما الموضوع فهو سؤالك: "من كانت صاحبة القبلة الأولى؟" إذ أرى أن لا داعي لوصفها بالأولى، فليست هناك قبلة ثانية أو أخرى أو.....، هي قبلة واحدة ووحيدة، فلو كان السؤال بصيغة "من كانت صاحبة القبلة؟" لكان التعبير أدق، أما الجواب؛ فهو من دون حرج، إنها هي، هي بعينها، ربما لأن التمنع عن إعطائها إياها كان سيودي بها إلى المدفن.
مؤنستي،
أسأل نفسي كل لحظة، ما الذي يجعلني أرتاح وأطمئن إليك وأقول لك كل شيء؟ فلا أدري لماذا، أشعر بأنني معك وكأنني مع نفسي، لكن دون شعور بالوحدة، بل أشعر وكأنني أعيش مع الكون كله، فأنت الكون يا كوني.
أتعبتك، أدري.
أشغلتك، أدري.
عطلتك عن واجباتك، أدري.
أرّقتك، أدري.
أثقلت عليك بحبي، أدري.
فسامحيني إذا أتعبتك بكل هذا الحب.
الرسالة السابعة:
حديقتي،
بالله عليك ماذا جرى؟ أخبريني فوالله إنني لأتألم لأجلك، ما الذي يؤرقك، دعيني أحاول المساعدة.
لا أدري كيف سأكون دون الاطمئنان عليك، فقد تفاجأت جدا.... هكذا تتغيبين فجأة بعدما قلت بالأمس إن لقاءنا غد؟
سأبقى أضرب الهاتف حتى يعترف أو يصيح متألما، فلا أستطيع النوم دون سماع همساتك.
الآن عرفت كم كنت ظالما تجاهك عندما اختفيتُ يومي الخميس والجمعة، ولم أكن أعرف أن الغياب مؤلم إلى هذا الحد، فها أنا غدوت أتألم للغياب بمجرد ذكره قبل أن يبدأ فعلا، فيا ويلي منك أيها الغياب.
معذِّبتي،
بالله عليك أعيدي النظر في غيابك.
دعينا نتحاور ونتغلب على ما يؤرقك.
دعيني أشاركك حل الأمر.
دعيني أشعر بكينونتي معك.
أتمنى العودة عن القرار هذه الليلة.
الرسالة الثامنة:
أغنيتي العذبة،
يا من افتقدتها في ظرف حاجة، وقد جننت عليك ولم أقدر على طي صفحة اليوم دون تلمس نغمات صوتك أو ألوان كلماتك.
ألف ألف سلامة عليك وعافية.
هكذا إذًا،
إذًا، هو المرض،
هذا ما كنت أخشاه، وقد كان أحد الاحتمالات التي ذهبت إليها في أسباب الغياب، لكن وبصراحة لم أكن أضعه في رأس قائمة الاحتمالات، فقد كنت أظن نفسي أسأت إليك دون قصد، خصوصا وأنا أعرفك جيدا، فمشاعرك جياشة وحساسة جدا، وتفهمين الكلام من غير كلام، وظننت أنها فلتت مني كلمة من هنا أو هناك دون قصد تسببت في نفورك مني، وخاصة أن الانقطاع جاء بعد سؤالك عن صاحبة القبلة، وثقي تماما أنني لا أعرف معك إلا أن أكون صادقا.
أتمنى من المولى أن يحفظك ويرعاك ويديم عليك عافيته، وتنهضي من فراشك في أقرب وقت سالمة غانمة معافاة.
اهتمي بنفسك جيدا، فأنت لم تعودي ملك نفسك، أنت وروحك وعقلك وقلبك ومشاعرك وجسدك صرت كلك ملكا لروح هذا الذي يكتب إليك، وكلك أمانة لديك، فحافظي على الأمانة، صونيها جيدا.
بالنسبة للأحبال الصوتية اشربي يانسون أو بابونج، ودعيك من كل أنواع الأدوية التي يصفها لك الأطباء، فآثارها الجانبية أكثر من فوائدها على المدى البعيد.
أتصدقين أنني منذ حوالي خمسة وعشرين عاما حتى الآن لم أتعاط أي نوع من الأدوية، فقط بعض حبات التروفين التي تسكن آلام الأسنان، أما عدا ذلك فلا أشرب أي نوع دواء، والحمد لله لا أمرض مرضا يقعدني في الفراش، ربما يزورني الزكام، لكنني أبقى أمارس حياتي الطبيعية دون أي تأثر، حتى في العمل طيلة السنوات الماضية لم آخذ أي إجازة مرضية ولو ليوم واحد، كل ذلك لأنني إذا شعرت ببعض الألم في أي جزء من جسمي أتحمله وأصبر عليه، فسرعان ما أتعافى وأكتسب منه مناعة ذاتية، فلم يعد يؤثر فيّ شيء.
أنا لا أريدك أن تنتهجي نهجي في التعامل مع المرض، لكنني أتمنى أن تتحاشي قدر الإمكان الأدوية الكيماوية، واستخدمي الأعشاب فقط.
اشتقت إليك كلك، صوتك وكلماتك ورسائلك وتعابيرك الجميلة.
طمئنيني عليك.
إذا وجدت صعوبة في محادثتي أو الكتابة إلي فلا تجهدي نفسك.
فسأبقى أراك تتعافين أمام عينيّ من بعيد.
الرسالة التاسعة:
سيدة عمري،
الآن أستطيع أن أعود لقول حبيبتي وأنا "أملك المعنى تماما"، بعدما عشت فترة تردّد في ترديدها، كانت كلمة واحدة وبدأت الحكاية التي لن تنتهي إلا بنهايتي.
حبيبتي،
سأبقى أقولها إلى الأبد.
حبيبتي وسيدتي ومؤنسة وحشتي وليلي الطويل.
حبيبتي ومولاتي وصلاتي وتسبيحي وتهليلي.
حبيبتي بكل الحروف والمعاني والدلالات.
يا من غدا حبها ألقَ حياتي، وأنار وجهُها شعلةَ فضاء كوني الفسيح.
حبيبتي، ما الذي يؤرقك من النتيجة؟ ما الذي يدفعك لليقين بعدم الارتباط؟ فأنا أرى ذلك أمامي عين اليقين، لا تخشَيْ من الحب، ولا تبخلي في عطائه، فالحب الحق لا يعرف الهزيمة ولا يُرجى برؤه، أما القبلة التي تفكرين في وسيلة لإيصالها، فقد التقطتُها منذ اللحظة الأولى دون أن تدري، قولي إني اختلستُها اختلاسا، لكنني مدين بالشكر لها لما نفخت به فيّ من حياة جديدة وأمل جديد وحب لا نهاية له.
حبيبتي، تفاءلي فالحياة مقبلة، ولم يعد للإدبار مكان، وهذا الذي يكتب إليك أصبح يتوجع حبا بين ذراعيك، وكم يشتهي قربك واحتضانك، فالدفء المنبعث من روحك لا تغيره الأزمان، وحبيبك يشكو البرد من زمن طويل، آه ما أعظمك يا ملاكي! دعي الحب يتعاظم، دعي الروح تطلب ما تريد، دعي الكون يغني أنغامه الحالمة، دعينا ننام دافئين، دعينا إلى روحينا نقترب، وابعدي شبح الخوف عنك وعني، ما عاد ينفعنا البعاد، ليس لنا إلانا، أنت لي وأنا لك الوفي الأمين، لا تترددي في الطيران نحو الهدف، فلا أروع من هدف تحفّه المخاطر، لا اختلاف على الأقدار، لكن ليس مقبولا منا التسليم والركون للزمن، فالزمن لا يجود إلا ببخيس أشيائه، إذًا؛ كيف سيجود بك لي وأنت أغلى الوجود؟ بل أنت كلّ الكلّ حبيبتي، أنت دنياي التي أحيا بها، ماذا أقول؟ أحبك الآن وقبل وبعد وفي كل حين، وما بعد الحب إلا التصاق المحبين.
أحبك بكل ما عرفته البشرية من عنفوان الحب.
الرسالة العاشرة:
مليكتي،
لا تفاوض، لا تنازل، لا حلول وسطا، فالبضاعة لي، الليبل خاص بي، ضبط المصنع لا نقاش فيه، أنا اشتريت ووقعت العقد وانتهى الأمر، غير أني مشتاق، لكن لا ضير، بما أنك تاج النساء؛ فسأكون تاج التحمل وموطن الصبر، ألوانك سر تحملي، وجنّات ساعاتك أنغام حياتي، فلا تحاولي الفكاك مني، لا مفر.
لن أسمح لك بأن تضيعي مني، فما زلت أشعر بقربك مني وتوحدي معك وكأننا بروح واحدة، ولأكون أكثر صراحة، أشعر الآن أنني أكتب لزوجتي، فهل هذا جنون؟ إن كان كذلك؛ فأذكرك بقول نزار:
لا تعذليني إن كشفـتُ مواجعي
وجه الحقيقة مـا عليـه نقـابُ
إن الجنون وراء نصف قصائدي
أوليس في بعض الجنون صوابُ
يتبع....
من فلسطين