حرارة حروفنا تحرق أعمارنا
كل بني آدم شعراء، غير أن من يرسمون مشاعرهم يستفرِدون باللقب، ويختفي الآخرون تحت أكوامِ الدواوين
آخر رسائل الحب.. عشرون رسالة قبل القرار.. الجزء الأول

آخر رسائل الحب

عشرون رسالة قبل القرار

الجزء الأول

إياد الرجوب

  

حديثهما لم ينته يوما، لم يمل أي منهما الآخر، أذان الفجر وحده ما كان يذكرهما بضرورة النوم قبل أن تدب الحركة في الأمكنة، كانا يناقشان الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والفلكية، والغالب دائما نظريات كل منهما الفلسفية عن الكون والحياة، اختلفا حول الإيمان كثيرا، لكنهما لم يدخلا في سياق المألوف، وهذا ما كان يعمق حوارهما ويجعل خلافهما نوعا من التفاهم.
 
لا يقدران على الفراق، ولا يستطيعان الاتصال. عشرون عاما من الحب ورسائل الحب ولا أمل، لا شيء حولهما يمنع زواجهما، التعقيد كامن فيهما، لا أحد يمنعهما من العيش معا في غرفة واحدة، وكان لهما ذلك عدة مرات ولأيام عدة، كانت أياما للتعارف في كل شيء، لكنهما لم يتفقا، فظل كل منهما في سريره ولم يقترب تجاه نصفه الآخر، أخذا عهدا على نفسيهما ألا يلتصقا إلا إذا قررا الزواج، فقط هي قبلة واحدة في الليلة الأولى اعتبراها ذبلة الخطوبة، والمرات القلائل التي منحته فيها صدرها كان قادرا على حسم الموقف في اللحظة المناسبة ثم أصبح يتغلب على كبح جماح انصهارها بتهديده إياها بالفراق.
 

كانت دائما تغريه، لا لم تكن تتعمد الإغراء، فهي كتلة إغراء متحركة، لا تحتاج لبذل أي جهد، جلوسها أمامه إغراء بحد ذاته، هي الأنثى الوحيدة التي لا تدخل المطبخ إلا بعد استحمام وتسريح شعر ولبس أروع الثياب، فتراها لوحة تتحرك ما بين زوايا المطبخ، كانت تعد الطعام وكأنها تمارس هوايتها في الرسم، لوحةٌ تعدّ لوحة، تقدمه له بأشهى طبق، وتجلس أمامه هادئة بعد أن تدير اسطوانة أغنيته المفضلة، فيجد نفسه في جنة عدن.

هي ليست كالنساء، ملاك نزل من السماء وتفرّد في الأرض.

 

الرسالة الأولى:
سيدتي،

لا أريد أن أسألك عن شعورك، فقلبي يشعرني بأنك تشاركينني جنون الحب، لكنك تميلين للواقعية وتضعين لنفسك المحددات.

 فتحلقين، إلا أنك تحددين الأشجار التي تهبطين على أغصانها.

 تحلمين، لكنك تدركين تماما أنك نائمة.

 تتخيلين، لكنك تعين الأفق تماما.

 تعومين، غير أنك تبقين على مسافة آمنة من قارب النجاة.

 تغوصين، بعد أن تتأكدي من عمق الماء وخلوه من القرش والحيتان.
 
هكذا أشعر بك، وربما هذا ما يمنعك من الجنون معي، لذلك أطمئنك بأنني لن أحلق ولن أحلم ولن أتخيل ولن أعوم ولن أغوص إلا معك، ولن أكون معك إلا كما تريدين، ولن تندمي، هذا وعد، ومثلك لا أستطيع معها إلا أن أكون وفيا صادقا أمينا.
 

لماذا أحببتك؟ ماذا فعلتِ بي؟ كيف حصل لي كل هذا الهوى؟ ليس لدي جواب أستريح إليه، كل ما أعرفه فقط أني أحبك، بل أهيم بك وأعشقك حد الجنون، لا بل أنا هو الجنون الذي يعشقك.

 

 

الرسالة الثانية:

 

جنتي،

 لم أكن أتصور أنني سأصل في يوم من الأيام لهذا الجنون، فهذا الشعور الذي أعيشه الآن هو الذي كنت أتطلع إليه، كنت أرنو لحب يقتلني، لحب "يأخذني لحدود الشمس ويرميني"، هناك أشتعل لهيبا بجمره، فما أروعه!
 
 الآن أفتخر أنني أحب، سأعلن لكل الدنيا أنني أصبحت منقادا للحب انقياد إسماعيل لإبراهيم نحو النحر، كانوا دائما يقولون لي إنني لا يمكن أن تكون لدي مشاعر، لأنني أخبرهم بان قلبي ليس مطية لأي أنثى، دائما يسألونني: ألم تحب؟ فأقول إن قلبي لا يتحرك نحوهن كما أريد، كنت أرى في بعضهن بعض ما أريد، لكنني دائما أبحث عن كل ما أريد، ولا أقبل بما دون.
اليوم  سأعلن للجميع وبكل فخر أنني أحب.


 

الرسالة الثالثة:

 

مولاتي،

 أحبك أكثر من أي حبيب أحب حبيبته،

 أحبك حبا بحجم السموات والأرض وما بينهما،

احبك حبا لم يحبه أحد من قبل ولا من بعد،

أحبك وأنثر الكون تحت قدميك، فلا عاش الكون دونك.

لن ألبي طلبك هذا، فلن أبحث عن غيرك، لأنني لن أجد من تشبهك، سأختصر الطريق وأقتصر عليك، فأنت أنت، لا بل أنت أعظم منك، لولاك في هذا الكون لكانت الدنيا خربة جرداء لا حياة فيها ولا ماء، ماذا أقول؟ أنت كاملة، وأنت أنت وغيرك لا كانوا.

 

الرسالة الرابعة:

 

سيدتي وتاج النساء،

لن أرضى عن هذا الوصف بديلا.

لا تكرهي يومي الخميس والجمعة، فهما يومان مباركان، وقد كان لزاما علي أن أختفي فيهما بعض الوقت، لكن والله إنني كنت في كل لحظة من الغياب أشعر بك معي، ولم تغيبي عن قلبي لحظة، فلست وحدك من يشعر بالفراغ أثناء الاختفاء، قلت لك يبدو أنك تمتلكين السحر فقد انقدت إليك ولا أستطيع الفكاك.


الرسالة الخامسة:


واحتي،

كثيرا ما أكتب وأصرح وأعلن لكل من ينتقد نصا أدبيا، أن النقد صناعة صعبة جدا، وهي مرحلة تالية لمرحلة الإبداع، بمعنى أن الناقد الماهر بالضرورة أن يكون أديبا مبدعا، أما الأديب فهو في مرتبة أدنى قليلا من الناقد، لأن الأديب يبدع النص، لكن الناقد الماهر هو الذي يكون نقده إبداعا آخر للنص، وليس شرطا هنا أن يكون لصالح النص، بل ربما يكون ضده، لكن الرسالة النقدية تصل بطريقة أدبية إبداعية أرفع وأسمى وأبلغ من النص المنقود، فيغدو النقد إبداعا ثانيا لذاك النص.
 

ناقدتي،

 لقد كان نقدك الأول للنص إبداعا آخر للنص، وما أكد لي فهمك للنص وإحاطتك بجميع دلالاته هو فهم الحوار تماما، وقد عمدت لهذا الأسلوب بقصد التشويق فعلا، وبدأت من العقدة أيضا كما قلت كنوع من التغيير في الأسلوب الفني، حتى الحوار أجمع عليه كثيرون أنه أسلوب جديد في هذا الفن، وصدقيني أن البداية كانت عفوية، لكن يبدو أن الصدق في الكتابة وإيصال الرسالة يخرجان شيئا مميزا.
 
لكن لفت نظري أنك ناقمة على النهاية، رغم أن الملاحظة الأولى تظهر أنك موافقة على كل صغيرة وكبيرة في النص، وتعرفين دلالة هذه الكلمة وتلك، وكأنك بحق أنت من كتب النص، فلم أكن أنا سوى صاحب الأصابع التي تحركت على لوحة مفاتيح الحاسوب، الفكرة من عندك، والسرد من عندك، والحدث من عندك، والعقدة من عندك، والزمان والمكان من عندك أيضا، لا أريد أن أقول الخيال أيضا، فهذا غير موجود في النص، أما نقمتك على النهاية فبصراحة لها ما يبررها، إذ تلاعبت فيها كثيرا، وأنهيت النص بما لا ترتضين، وكل الحق معك لتغضبي وتفجري الدنيا، فحب عشرين عاما لا يجوز أن تكون نهايته هذه النهاية، وألفة عشرين عاما لا يمكن لها أن تنتهي بقرار فردي.
 
يتبع.....
 


أضف تعليقا

اضيف في 13 يونيو, 2008 02:38 م , من قبل eshteyak said:


أخي الغالي إياد..

بالنسبة لي حب الروح للروح له مكانته وقدسيته .. لذا أعتبره أسمى بكثير من حب الجسد .. تختلف كثيراً لغة الروح عن لغة الجسد .. الروح ترتقي للسماء بينما يبقى مكان الجسد هو الأرض ..
المقال رائع من حيث التطرق لوصف هذا الحب بأدق تفاصيله .. هو أشبه بالحب الأفلاطوني ..لكن للأسف في عالمنا هذا تبقى لغة الجسد هي المتعارف الأول لمعنى الحب..

وبرغم أني أنا لا أحبذ الحب الأفلاطوني ولا حتى حب الجسد لأنه من وجهة نظري الحب الأفلاطوني وهم ومحبة الجسد هو احتياج .. وما أن تتبدل حالة المحبوب يسقط الحب ويذهب أدراج الرياح .. إلا أنني لمست هنا تمازج بين كلا النوعين من الحب جسدهما الأمل في اللقاء والذي سجله المستحيل في خانته لا أدر لم ..

من رأيي والله أعلم أن أصدق حب يعتمد عليه الرجل والمرأة هو الحب القائم على الاحترام المتبادل والتقارب الفكري ومن ثم العاطفي ..

تحياتي الدائمة لك ولكل من يمر من هنا .. ومعك بانتظار بقية المجموعة ..

اضيف في 13 يونيو, 2008 06:56 م , من قبل sham4me said:

لو أن الصدفة تجمع كل حبيبين على هذا الشكل ..

لما سمعنا بالحدود .. ولا القيود ..

ولا المجازر .

ولا طول الدروب ..

ولكانت فلسطين هنا ..

والأقصى لنا ...

لكنّا طيوراً بلا أقفاص ...

وصوامع .. بلا أجراس ...

لكنّا مع رسائلك الرايقة عند هالمسا ..

بلا قرار ...

فالحب أسمى .. من أي قرار ...

صديقتك .. نور

اضيف في 13 يونيو, 2008 11:10 م , من قبل amoo2005
من فلسطين said:

أخي العزيز وصديقي اياد

لم أكن أعلم بأنك ايضاً تبدع وتتألق بوصف المشاعر والاحاسيس وبأنك من أجمل من يكتبون بالحب الأفلاطوني على رأي ماما اشتياق ..

وكم تمنيت لو أني تعرفت عليك ايام الشباب وايام شقاوتي ههههه

بتصدق وأن عم بقرأ بهالرسائل الجميلة بدأت أتحسر على الحال الذي وصل إليه الحب بهذة الايام ، فنحن يا صديقي نعيش بزمن يكاد الحب أن ينقرض منه ..!! الكذب والخداع والمظاهر الزائفة سيطرت على كل شيء فيه..

صديقي اياد لا اريد ان اطيل عليك وأنا بإنتظار القادم ..

لك محبتي وتقديري ودمت بكل الخير ..

ابو وديع

اضيف في 14 يونيو, 2008 02:02 م , من قبل odad
من فلسطين said:

اشتياق،
نور،
سامح،
يستحق كل منكم تحية خاصة ومنفردة
لكنني رغبت في جمعكم سوية في تحية واحدة، فلا أريد أن أفرق بينكم، فانتم والله نعم الأصدقاء، ولكم في القلب محبة خاصة، فثلاثتكم مميزون ومتميزون.

فانت يا اشتياق، تجودين علينا برأي حكيم نابع من تجربة، وهذا أقوى أنواع الجود، لأنك بذلك تعملين على تراكم المعرفة الذي لولاه لما وصلت البشرية إلى هذا الرقي.

وأنت يا نور، أطلب من المولى ألا يحرمك من الصُّدف، لتواصلي شكرها، فواضح أنك من عباده الشكورين، لكن صدفتك غريبة، تنضح بالألغاز الغامضة لدرجة الوضوح.

أما انت يا سامح، فتراجعْ عن امنيتك المتأخرة في التعرف عليّ أيام الشباب، لانني كنت كتوما في حبي الصامت، ولم أجرؤ على البوح إلا بعدما امتلكت المعنى تماما، فلو تعرفت علي حينها لما استفدتَ شيئا، بل لكنتَ مللتني.

حفظكم ربي ورعاكم
إياد



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية