حرارة حروفنا تحرق أعمارنا
كل بني آدم شعراء، غير أن من يرسمون مشاعرهم يستفرِدون باللقب، ويختفي الآخرون تحت أكوامِ الدواوين
ستون نكبة
 
 

ستون نكبة

 
إياد الرجوب

 

يخطئ من يظن للحظة أننا نحيي هذا العام ذكرى مرور ستين عاما على نكبة وحيدة، يخطئ من يظن أننا نحيي في كل عام ذكرى مرور عدد من الأعوام على نكبة واحدة إضافة إلى عام جديد، فنحن نعيش نكبة جديدة ومتجددة كل عام، مغايرة لما سبقتها..
 نكبة تهجير..
نكبة ذبح..
نكبة تطهير عرقي..
نكبة تكسير عظام..
نكبة مجازر..
نكبة اغتيالات..
نكبة اعتقالات..
نكبة إذلال..
نكبة قصف..
نكبة تدمير منازل..
نكبة إبعاد..
نكبة حصار..
نكبة إفقار..
نكبة عطش..
نكبة ظلام..  
نكبة احتلال لكل شيء، حتى لدقات القلب النابض بإيمان الشعوب بحقها في تقرير مصيرها.. إلى ذلك من مضافاتٍ إلى النكبة الأم متفرعةٍ عن جريمة كبرى اسمها الاغتصاب.
 
منذ ستين سنة، ونحن نروي ترابنا بالدم، نعبّد سبيلنا بالأرواح، نشمخ في عين الشمس بقوة العزيمة وصلابة الإرادة.
 
منذ ستين سنة، ونحن ننزف دما.. ودمعا.. وألما.. وثكلا.. وحرمانا أبويًّا.. وفراقا أخويًّا.. ونوما في العراء.
 
في كل عام نكبة جديدة تحاصر نفسًا تائقة إلى الشعور بكينونتها، في بيتها الذي وُلِدت فيه ولمّا ينتهي تَوْقُها إليه بعد، فهل سيعيدها خضيض المفاوضات إلى مسقط رأسها في الساحل؟ إنه خضيض مائي لا ينتهي بشيء، بل هو خضيض لا ينتهي، فيه وعودات لا تُنفّذ ولا تنتهي، ولقاءات لا تنتهي، ومطالب عدوانية استفزازية لا تنتهي، وتصريحات لا تنتهي.. وبالتأكيد أيضا بيننا هنا وبيننا هناك أمل لا ينتهي.
 
نكبة تلو نكبة تلو نكبة.. ونحن هنا باقون في الأرض وعليها.. لا اندحار ولا اندثار، مزروعون فيها كالشجر.. ملتصقون بها كالحجر.. نخط عليها الواقع الأحمر فيصير سِفْرا مشرّفا في تاريخٍ تسودّ منه وجوه العبيد.. عبيد يأبون التضحية بأحيازهم التي وُهبت لهم بعد مؤامرة السطو العلني.
 
ستون نكبة، اكتسبت خلالها "فلسطيني" خصائص جديدة في معاجم القهر، وأضحت تعني الحرمان من كل شيء، من النور والأكسجين والماء والغذاء.. ومن الحياة، فلنا هنا أطفال يُقتلون في بيوتهم وشوارعهم ومدارسهم، ولنا هناك في الشتات أطفال يولدون في بيوت ليست لهم، ويلعبون في شوارع ليست لهم، ويدرسون في مدارس ليست لهم، ويكبرون في أماكن ليست لهم، إنهم يعيشون في بيئة غير بيئتهم، وزمان غير زمانهم، أصلهم هنا وفرعهم هنا، على شاطئ البحر يجب أن يولدوا ويلعبوا ويتعلموا ويكبروا ويتزوجوا.. قرب البحر لا في الصحراء، في الوطن لا في الشتات، يتعلمون السباحة لا التسول لتحصيل كسيرة يابسة، في البيت الأصلي يتعطرون بنسيم البحر ولا يلفحهم لهيب البؤس، يستظلون بشاهقات حيفا والكرمل، لا بألواح الزينكو الصدئة، يأكلون السمك لا الجراد، يشربون الماء وليس الدم، فمن قدم لأبنائنا الدم ليشربوه؟ ألا تبا لذلك النادل المجرم في مقهى الجوع والعطش والتشرد والحرمان.
 
أبناؤنا عندما كانوا في بيئتهم لم يكونوا يعرفون سوى الماء والسمك والزهور، فمن أين عرفوا الدم والجثث والأسلاك الشائكة؟
 
ستون نكبة غيرت كل شيء، ستون نكبة امتزجت فيها أفراحنا بالألم، ستون نكبة اختلط فيها العرس بالمأتم، والعيد بالعزاء، ففي القدس يحتفلون بعرس بطولتهم في ذبحنا، وحول القدس نحيي مأتمنا الدائم، عزاءنا المفتوح منذ ستين عاما بستين نكبة:
 

فالعرس يخلخل مملكتي

والوحش يساير قافلتي

من قبل المولد يرقبها

والعرس تلوّن عمّا كان

*     *     *

أشتمّ العرس فيَزْكُمُني

فدخان العرس به لون

ممزوج من كلّ الألوان

*     *     *

يا عرسُ تعلّم تقوانا

قد كنت قديما تجمعنا

وبك الأيتام قد ابتهجوا

والجوع تلاشى في يومك

والآن دخانك يعمينا

ما عدتَ تحقّق أحلاما

ما عدتَ تحارب أحزانا

ما عدتَ تقرّب وجدانا

ما عدتَ توصّل أرحاما

ما عدتَ تطهّر أتربة

والعودةُ أضحت تخريفا

والخيمة ظلّت منزرعة

والجدّ استُبعد في المنفى

وقلوب الحشد غدت صنو الصّوّان

*     *     *

يا عرس دخانك شتّتنا

فغدونا نبكي وحدتنا

والشّارع يشكو ظلمته

والسّوق تموت بها الفئران

*     *     *

يا عرس لماذا تلفحنا؟

ألتحرقنا...؟

أوبعد حريق القلب حريق؟

أوبعد جفاف الجوف جفاف؟

فالجوف جفاه الوصل الحرّ..

والوصل استشهد في العدوان

*     *     *

يا عرس لماذا تلهينا؟

ألتنسينا...؟

أوتنسى الأمّ بهذا اليوم وليد الأمس؟

أوتنسى الشّمس حرارتها؟

أوينسى المعدم نبتته؟

أوتُنسى الأرضُ الأمّ الزّوج البنت الأخت بيوم العيد؟

فلماذا تلهبنا يا عيد؟

ألتُشعل ذاكرة الأحفاد؟

هل خلت تناسيها؟

أوتخفت نار الزّيت بترب الأرض؟

أوتهدأ عاصفة بخريف بوادينا؟

فلماذا تحرقنا يا عيد

والذّاكرة الحبلى ما زالت ملتهبة؟

*     *     *

يا عرس هواؤك حيّرنا

حتّى الإبل احتارت

وأناخت حملا في بطن الوادي

وجثت تترقّب سلطانا

أمضى أيّاما في المعبد

صلّى الفرض اللّيليّ وغاب

*     *     *

واعتاد المعبد زائره

والزّائر يحرس إيناسا

لا إنس به غير السّلطان

والزّائر سلطان السّلطان

*     *     *

..وتوجّعنا من دون صراخ

فالموت يعربد في المعبد

والماء تفحّم في المغطس

والسّور تداعى مستاء

والمعبد خارت أركانه

والوحش تناثر في السّاحة

والمملكة اندفعت نحو المدفن

كي تحمي روح مدينتنا

والرّوح تطير بلا استئذان

*     *     *

وتأخّر موعد قافلتي

والوادي ملّ القافلة العطشى

والجند ارتحلوا للوادي

والوادي أطبق معتذرا  

ليسلّم عهدة حارسنا

والحارس يهزل في المنفى

والمنفى باتت تقرضه الجرذان

*     *     *

يا عرس زمانك زلزلنا

يا عرس تفكّر في المقدم

يا عرس ترفّق هذا العام

فالحارس مات به المنفى

والعدل اشتاق لمؤنسه

والشّمس تجلّت في المدفن

تمتصّ بقايا الحقّ من الأكفان
 
 
 
 


أضف تعليقا

اضيف في 14 مايو, 2008 08:21 م , من قبل sham4me said:

سنواتُ ضياع تتركنا ....

بشتات الأرض تجمعنا ...

لا مملكة توحّدنا ...

وظلام الفرقة يمنعنا ...

ستون نكبة ... تعمينا ..

أين نحن .. والأحلام ..

أين نحن ... والأحزان ...

ما عادت حروفنا على حرارتها ... تغنينا ...

تعوّدنا الدماء ... فصارت لوناً

تعوّدنا الجفاء .... فصار فنّاً ...

تعوّدنا المنفى ... والعدوان ..


لك مني كل احترام ....

صديقتك نوّارة الجيران ..

اضيف في 14 مايو, 2008 09:29 م , من قبل amoo2005
من فلسطين said:

باقون هنا وهم إلى زوال وبوادر إنتهاء حلمهم باتت اقرب من أي وقت كان ..

بالأمس فقط أحد كتابهم الكبار يتساءل إلى متى سنبقى بهذا البلاد في ظل ما اصاب جبهتهم الداخلية من دمار على ايدي فرسان حزب الله ..

فلا تقل إنتكبنا ما دمنا نقاوم

اضيف في 14 مايو, 2008 09:30 م , من قبل amoo2005
من فلسطين said:


منذ رحيل القادة الكبار توالت نكبات شعبي ..


كانت نكبة غزة ، وكان انفصال جناحي الوطن بعد سقوط العشرات بل المئات من شعبي برصاص أبناء شعبي..


انتكبنا أمام اغتيال البندقية بدعوى مكافحة الفلتان الأمني وتطبيق القانون العاجز حتى عن حماية نفسه ، أي قانون هذا الذي يعجز عن التميز بين بندقية المقاوم وبندقية قاطع الطريق ؟؟!!

من مصلحة من تحل كتائب شهداء الأقصى ويطارد مقاتليها وأبناء المقاومة ؟؟!!

تلك الكتائب التي كانت الصف الأول والأخير في الدفاع عن أبناء شعبها أمام كل اجتياح وعدوان ويقبع المئات من فرسانها في زنازين الاحتلال ..

انتكبنا يوم تركنا أسرانا الأبطال يصارعون ألوان العذاب مع سجان لا يرحم منذ ما يزيد عن ربع قرن وعجزنا حتى عن منحهم أوسمة شرف خشية من غضب مغتصبينا ..

انتكبنا ونحن نشاهد الإعلام الفلسطيني وإلى ما آل أليه حال خطابه الإعلامي المتردي ..

انتكبنا يوم أن أصبحت قضيتنا ومطالبنا إزالة حاجز هنا وفتح طريق هناك ، والسماح بدخول كم تنك سولار لغزة المحاصرة ..

اضيف في 15 مايو, 2008 12:58 م , من قبل eshteyak
من فلسطين said:


أخي الفاضل إياد الرجوب ..

دعني أولاً أشكر الأستاذ سامح حيث أني تعرفت الى مدونتك من خلال مدونته ..

ومن وجهة نظري أن وجود كاتب مميز بيننا هنا في جيران فذلك هو مكسب لجيران أولاً ومن ثم لنا..

كما أعزي نفسي أن لم أصل لتلك المدونة إلا متأخرة ..

رائع أن أول مقال أقرأه لك هنا في جيران عن النكبة .. رمز الشعب الفلسطيني المنكوب ..

رمز معنى النكبة وسر تواجدها .. لقد سألتني ابنتي الصغيرة ما معنى نكبة؟ أخبرتها بأن معناها هو سرقة أراضينا وطردنا منها .. معناها تكالب الأمم علينا ليسلبوا منا البلاد ويقدروا لنا اللجوء والهجرة .. أن نحيا هنا في غزة ونترك مدينتنا للقتلة السفاحين .. أخبرتها كل شيء عن هذا الشعب المكلوم وعن أرضنا التي هي أمانة في أعناق الأجيال القادمة .. تساءلت هل لنا هناك منزل سرقه الصهاينة أجبتها نعم وهو بانتظارك وبانتظار كل من أكمل المشوار ..

لقد قررنا نحن الشعب الفلسطيني ألا نتنازل عن حق العودة ولا عن الثوابت ولا عن القدس ..

لن يثنينا عن ذلك لا أمم متحدة ولا قرارات دولية ..

أجمل ما قيل عن شعب غزة أنه يمتلك قوانين هو فقط من أصاغها وجعلها نبراسه إنها قوانين العدل والحياة لذلك مضى وحده في ركب يبتعد عن بقية العالم ..

في يوم قريب جداً ستلحق بنا كل الأمم ويكون لنا النصر أقرب ما يكون وتتبدل النكبة لتدور دائرتها على الأعداء ومن والاهم ..

تحياتي لك ولقلمك النابض وطن وحرية ..

http://eshteyak.jeeran.com/palestine/archive/2008/5/569087.html
هنا في مدونة فلسطين أضم كل من أجده قدم مقال عن فلسطين في يوم التدوين

اضيف في 19 مايو, 2008 07:14 م , من قبل souadsaleh said:

فضحه ضروري
على مدوتنتي
عميل يهودي بجيران

http://souadsaleh.jeeran.com/archive/2008/5/572889.html

إنه يمنع التعليقات
فانسخوها
ــــــــــــ
معذرة على اقتحامي لمدونتك بهذا الإعلان
أختك سعاد

اضيف في 24 مايو, 2008 03:50 م , من قبل odad
من فلسطين said:

أخي سامح وأخواتي نور واشتياق وسعاد
مشكورون على ما تفضلتم به
وأسعدني جدا تواجدكم في مدونتي
لا حرمني الله منكم

ممنون لك على التنبيه أختي سعاد

إياد



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية