حرارة حروفنا تحرق أعمارنا
كل بني آدم شعراء، غير أن من يرسمون مشاعرهم يستفرِدون باللقب، ويختفي الآخرون تحت أكوامِ الدواوين
هل كانت جدتي "هبلة" حقا؟
هل كانت جَدّتي "هبلة" حقًّا؟
 
إياد الرجوب
 
فقط خيطان رفيعان على كتفي أنثى عشرينية ناعمة بيضاء، تتعلق بهما قطعة قماش سماوية اللون، لا تخفي من جسدها سوى المساحة الممتدة من النصف السفلي لثدييها حتى أعلى فخذيها، هذا ما بدا للمارة -وكنت بينهم- من نافذة سيارة تلك الأنثى الفارهة، وقد أجبرتها الزحمة في موجة الحر الأخيرة على الإبطاء قرب دوار المنارة وسط رام الله.
 
وعلى قاعدة "بِضدّها تتميز الأشياء"، قفز لمخيلتي فجأة مشهدي الطفولي مع جدتي الخشنة الحنطية في فجرٍ شتويٍّ من عام 1983، كنا ننتظر باص "الصليب" ليأخذنا إلى سجن نفحة الصحراوي، فهناك سأرى لأول مرة واحدا من أعمامي الأسرى، كان يقضي عامه العاشر من حكمٍ لمدى الحياة.
 
جدتي أضاعت عشرات السنين تتنقل وراء أبنائها بين السجون والدول، فمنهم من أطبقت عليهم القضبان، ومنهم من أُبعد عن الوطن ولم يُسمح له بالعودة مع العائدين، وبِكْرُها فُقد عام 1969 ومضت تبحث عنه، وها هي أكملت عامها المئة ولم تجده.
 
يومها قالت لي على باب السجن: "يا ريت لو انه عمك محمد مسجون، بس يكون عايش، أقل ما فيها بشوفه. بلاش أشوفه، يا ريت حدا يريّح بالي ويقولّي انه مات وهان قبره".
 
اليوم، أظن أن كثيرين يعتبون على عمي محمد لأنه هَرّبهم عن طريق نهر الأردن ليعيدهم إلى الضفة بعدما تركوها عام 67، فلو لم يعودوا حينها، لظلوا بعيدين عن معاناة الوطن والذل وعذابات المحتل، وَلَعادوا مع السلطة مدجّجين بكل الامتيازات الطَّبَقية والإعفاءات النضالية.
 
اليوم أتساءل: ماذا لو أن عمي هرّب جَدّي وجدتي والعائلة خارج الوطن؟ أظن عندها عائلتنا ما كانت لتعرف الكفاح المسلح، ولا إلقاء القنابل، ولا قَنْصَ الإسرائيليين، ولا السجون، ولا الفقد، ولا الإبعاد، ولا أي نوع من النضال على أرض فلسطين، وربما لَعُدْنا مع السلطة بكل الامتيازات والسيارات والمناصب والرواتب، ولغدوتُ أسوق سيارتي الفارهة -المُعفاة من الجمارك- بـ"شورت وفانيلا" بمحاذاة تلك الأنثى قرب دوار المنارة، ودون أن أشعر بأي مرارة.
 
جدتي المئوية صمدت هنا، فذاقت كل عذابات أمهات الوطن، والأُنثى العشرينية قرب دوار المنارة تَنَحَّتْ صفاتُها الوراثية عن الوطن، فنَعِمَت بالحياة.
 

جدتي التي حرمتها الثورة من أبنائها وبعثرتهم في جميع الاتجاهات، ولم تجنِ لو وردة، تصف اليوم نفسها قائلة: "كاينة هبلة". وأنا خَبِرْتُ جدتي تماما، فعندما تصف نفسها بالبَلْهاء، يكون في جوفها بركان غضب.

_________________________________
نُشر في جريدة الحال بتاريخ 5/5/2008


أضف تعليقا

اضيف في 07 مايو, 2008 08:16 م , من قبل amoo2005
من فلسطين said:

تحية لقلمك الحر

وألف تحيك لجدتكِ الصابرة الصامدة ، والله ما عاش يلي بقول عن جدتك إنها هبله ..

الهبل ببنوتة العشرين ولبسها وعقول يلي جابوها على دوار المناره ..

أخي اياد تعلم علم اليقين أن البقاء بهذة البلاد هو عبادة وبتوقع إنها جدتك بتعرف هذا الشيء وهذا يلي بصبرها وبشد من أزرها ..

لك محبتي ولقلمك الجارح ألف تحية


ومشكور على رسائلك بالمسنجر اليوم تمكنت من التغلب على مشكلة علبة الواردة وها انا أقرأ بها ، وأعجبتني قصة سر لون العسل هههههه


ع.ســـامـــح

اضيف في 17 يوليو, 2008 10:54 ص , من قبل t3aber12374
من المملكة العربية السعودية said:

إيـــــاد...

ان كانت جدتك هبله


أذا منه العاقل بين هذا العالم


فالتحيا هذه الجده..ولتحيا فلسطين الحبيبه


إيــــــــاد...
عـــارف..؟
كل ما اسمع مثل هذه الحكايات..

اتمنى العيش معكم..

بل اتمنى ان اكون واحدة منكم

لأحظا الجنه معكم

هنيئا لكم الصبر
فالصبر هو طريق الجنان



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية