حرارة حروفنا تحرق أعمارنا
كل بني آدم شعراء، غير أن من يرسمون مشاعرهم يستفرِدون باللقب، ويختفي الآخرون تحت أكوامِ الدواوين
عيد الموت الفلسطيني

عيد الموت الفلسطيني

إياد الرجوب
 
كلٌّ له عيده، وللعيد دلالة فرح وبهجة عند جميع الشعوب، لكنه لدى عمال فلسطين يكتسي ثوب حداد على موتٍ يمهلهم لكنه لا يهملهم، فاليوم عيد العمال، وللأول من أيار عند كل عامل ذكريات خاصة.
 
كأي فلسطيني عاش في هذه البلاد ولم يتركها لحظة، وجدتني عاملا عند اليهود منذ سن السابعة، ولم أجد وظيفة لدى سلطتنا في سن الخامسة والعشرين إلا بعد أن كنت متقنا جميع أنواع العمل الجسدي، من تنسيق الزهور للحفلات إلى تنظيف المجاري أمام المحتفلين حتى تزفيت الشوارع، لكن هذا وذاك لم يكن شيئا مقارنة مع الظروف المحيطة بالعمل.
 
رماني متعهد الحراسة الفلسطيني بين الجبال لأعمل ناطورا على جرافة جنزير أكبر من أي شيء، لا يمكن سرقتها إلا بجرار أضخم منها، كنت أنام على مظلتها العلوية حتى لا تطالني الضباع التي تطوقني ليلا، أما في النهار فأستظل بخزان السولار الذي هو وحده صاحب الظل في المكان الأجرد، لا أستطيع السهو ولو لثانية، فالثعابين من حولي أنحفها بِسُمْك ساقي.
 
أنهيت الأسبوع هناك فوجدتني بعد ذلك وسط مستنقع باطون يرتفع حتى ركبتيّ، لا أرفع ظهري على مدى عشر ساعات إلا للشرب وتناول الطعام. وللاحتماء من الشرطة كنت أنام وحيدا في ملجأ حار، تنهشه الفئران من كل جدار، الليلة الأولى أمضيتها في صراع مع الكائنات المستضيفة، وبعدها غدوت أحكم الغطاء على رأسي تاركا ثقبا صغيرا للتنفس، لكن قدميّ تبقيان مرتعا للفئران والصراصير والبعوض، ولا تمضي ليلة دون تسلل فأر لفخذي، أو لصدري إذا أراد أن يرحمني.
 
بعد شهرين متواصلين من العمل، صار المتعهد الفلسطيني الذي يشغلني محترفا في النصب على العمال، ولم أحصّل إلا ثلث أجرتي وبعد شهور من المطالبة.
 
كل هذا حدث معي عندما كنت أعمل لتوفير مصروف الدراسة والأقساط الجامعية، لكن ما حدث مع زملائي ويحدث معهم حتى اليوم تراوح بين القتل أثناء الدخول للعمل في إسرائيل أو الخروج، وتكسير العظام إذا ما حاول أحدهم الهرب من شرطة الاحتلال وتم إلقاء القبض عليه في منطقة خالية، أما السقوط من مباني الورش العالية والعودة للأهل جثة أو هيكلا مقعدا إلى الأبد فهو مشهد يكاد يتكرر أسبوعيا، ولا داعي لذكر جَرف العيون والأمعاء بقضبان الحديد أثناء العثرات، والجروح وحالات قطع الأصابع أثناء قص الحديد، فهي حالات يومية، أما عن الطعام فلا حديث إلا عن المُعَلّبات.
 

ورغم كل هذا يعتبر مسؤولونا المنزرعون في مكاتبهم المكيفة الأولَ من أيار عيدا للعمال، والمفارقة أن العامل الذي سيحتفل بهذا العيد ولا يذهب للعمل يخسر أجر هذا اليوم، إنها لحياة همّ وغمّ وعذاب! فكيف سيحيا هذا العيد وسط كل ذاك الموت؟

 



أضف تعليقا

اضيف في 01 مايو, 2008 08:51 م , من قبل amoo2005
من فلسطين said:

اخي إياد

مقال رائع وكم تمنيت لو أني قرأته بالصباح لكنت نشرته بمدونتي لكني للتو نشرت جولة بجسر الزرقاء ..

أخي لله يكون بعون العامل الفلسطيني ومش عارف شو بدهن يعملن الخمسين شيقل أو حتى السبعين شيقل يلي بيشتغل فيهن في ظل هالغلاء والإرتفاع الفاحش بالأسعار ..

ربنا يصلح الحال والأحوال

لك محبتي

ع.ســــامـــح

اضيف في 07 مايو, 2008 02:43 م , من قبل odad
من فلسطين said:

العزيز سامح
أنت الرائع
فكل كلمات مقالاتي لا تعدل لونا واحدا من ألوان صورك الملتقطة ببراعة.

عملت في إسرائيل كثيرا
في العطل الصيفة أثناء المدرسة
وسنة كاملة بعد الثانوية العامة
وفي العطل الصيفة أثناء الجامعة
وأحمد الله على اني عملت
فلولا ذلك العمل لما عرفت قيمة العامل الفلسطيني الذي يخاطر بروحه لتحصيل قوته

العامل الفلسطيني داخل إسرائيل هو بطل في مجاله.


دمتَ بود
إياد



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية