حرارة حروفنا تحرق أعمارنا
كل بني آدم شعراء، غير أن من يرسمون مشاعرهم يستفرِدون باللقب، ويختفي الآخرون تحت أكوامِ الدواوين
رام الله والبيرة ليلا.. تحت حكم الكلاب

رام الله والبيرة ليلا.. تحت حكم الكلاب

بقلم: إياد الرجوب
 

كانت عادة العائلة في صغري أن ترسلني لقضاء مشاويرها داخل القرية، فكنت أذهب وأعود "مثل الصاروخ" ودون أي تذمر، لكنني كنت أقف مترددا في تلبية أوامرهم عندما يطلبون مني الذهاب لمنزل يقتني أصحابه كلبا، فبعد أن عضني كلب الجيران ومزَّق بنطالي كرهت الكلاب، والمنازل التي لديها كلاب، والبشر الذين يقتنون الكلاب، وكل ما يتعلق بالكلبنة، لم أهتم حينها بالدم الذي سال من ساقي وجعل الجيران يمارسون مهنة الطب فيها ويوقفون النزيف بالبُن، بل أخذت أفكر كيف سأذهب للمدرسة في اليوم التالي، فالبنطال هو الوحيد المناسب للذهاب به إليها، وها هو تمزق وما زال أمامنا ثلاثة شهور للكسوة التالية في بداية الفصل الثاني، وظللت كل تلك المدة أذهب للمدرسة به بعدما أصلحته أمي، غير أن رقعة المزق كانت واضحة، فصرت كلما وقعت عيني على الرقعة ألعن الكلاب وأصحابها.

 

أُلفة كلابية

تخرجت من الجامعة وجاء نصيبي الوظيفي في جريدة، كان العمل يقتضي أن تغادر بعض الأيام مقر الجريدة بعد منتصف الليل، فكنت أعود مشيا لمكان منامي الذي يبعد حوالي كيلو مترين، وكثيرا ما كنت أمر عن كلاب، في البداية كانت تحصل بعض المناوشات الخفيفة، ثم تعرفت على تلك المجموعة الكلابية ولم تعد تتحرش بي أو تسبب لي أي قلق، وألف كل منا الآخر، وكثيرا ما كنت ألوم زميلي بشار على وصوله بسيارة لمكان منامه الذي لا يبعد عن مقر الجريدة سوى خمسمئة متر، كنت أرى مبرره غير مقنع عندما يقول إنه يخشى الكلاب في الشوارع، فكنت ادعوه للمصالحة معها، لكنه ما زال يهابها ويخشى الصلح.

مع توالي السنين كثرت الكلاب، وصار طريقي لمكان منامي يعج بها، حتى صرت أظن أن الكلاب تستأجر مدينةَ رام الله ليلا من بلديتها لتسرح وتمرح فيها كما تشاء، أو أنها تحتلها عنوة بعد منتصف الليل حتى أذان الفجر، أو أن القائمين على البلدية ينامون ليلهم مبكرا ولا يسهرون حتى يستوضحوا الظاهرة الكلابية المنتشرة في المدينة ويضعوا لها حلا، فالأيام تتوالى والكلاب تتزايد وتزداد شراسة، وأنا لا املك الوقت والذكاء لابتداع وسائل جديدة في التعاطي مع النباح، وعدد مرات عودتي لمنامي أسبوعيا لا يسمح لي بالتعرف كل فترة على كلاب جديدة، بل كانت هناك كلاب لا تمت وجوهها لوجوه كلاب رام الله بصلة، حتى إنها ترفض الصلح أو الحوار أو التفاهم أو المصالحة، وكنت أسهر فَجْري القصير أسأل نفسي: من أين جاءت؟ فهي ليست كلابا فلسطينية، شكلها غريب.

 

البيرة أخت رام الله

انتقلت لمنامٍ في البيرة يبعد المسافة نفسها التي يبعدها المنام الأول، ما يشجع على الوصول إليه من مقر الجريدة مشيا، لكن لم يكن أحسن حالا من المنام الأول، فالبيرة أخت رام الله، والكلاب ليلا في كل شارع وحارة وزقاق، وفي وجوهها شراسة غير قابلة للعلاج.

لحسن حظي ورضى ربي ووالديّ عليّ؛ فقد كان منزل زميلي إسلام قريبا من منامي في البيرة، فغدونا نسلي بعضنا في الطريق، بعدما أدمنت الوحدة إلى منام رام الله.

في ليلة صرٍّ يصطلي القوسَ ربُّها، ضلت الثلوج طريقها إلى فلسطين، لكنها أرسلت بردها القارس يوزع حظر التجول في المدينة، وما إن أنهينا عملنا الساعة الثانية فجرا حتى أحكم البرد حلقاته، ما دفعنا لطلب تكسي، لكننا لم نظفر بأي هاتف يهتف لأي سائق، فغادرنا مقر العمل مشيا تصطك أسناننا من البرد، سلكنا الشارع العام، وسررنا بسيارة جيب لرجال الأمن واقفة على أحد المفارق، أوحت لنا بأن الليلة آمنة من جنود الاحتلال، فقد صارت لدينا قاعدة: إذا رأينا رجال أمننا فهذا يعني أن لا جنود للاحتلال في المدينة، وإذا لم نرهم فجنود الاحتلال منتشرون، حثثنا خطانا لنصل إليهم نستعين بهم حتى يوصلونا للبيت، لكن لم تبق بيننا وبينهم مسافة تتعدى عشرين مترا حتى تحركوا من المكان، كنا نتمنى أن يوقفونا ويستوضحوا أمر سيرنا وحيدَين من دون خلق الله في ليلة وساعة كهاتين، أليسوا رجال أمن؟ لكنهم لم يفعلوا، بل تركوا لنا المكان وغادروا، فواصلنا سيرنا بأربع آذان وأنفين حُمرٍ برودتُها أشد من برودة الجو.

 

وجها لوجه أمام كلب

قطعنا ثلاثة أرباع المسافة نطلق النكات لنسرّي عن أنفسنا قليلا، فجأة انتبهنا للكلاب تطوقنا، لم نأبه إلا للتي أمامنا، توقف إسلام وكاد يفتعل معها "طوشة" نحن في غنى عنها، قلت له تريث، أنت معي، فدعني أتصدر الموقف، لقد تلقيت دورةً في شوارع رام الله لأكثر من خمسة أعوام في فن التعامل مع الكلاب، سِرْ ولا تُعِرْها أي اهتمام، تساءل: كيف تريدني أن أسير وذاك الكلب يقف في طريقنا؟ دعوته للهدوء وأفهمته بأن الكلاب لا تهجم إلا على الذي يخشاها، فلنظهر لها أننا لا نهابها ونبقَ طبيعيين ونَسِرْ نحو الكلب وكأننا لا نراه، وسترى كيف يهرب دون أن نعمل أي حركة.

 لكنني في سري كنت خائفا من الكلب، فنحن نتقدم والكلب واقف لا يتزحزح من طريقنا، لم أصطدم في حياتي بكلب أوقح منه، ظل واقفا متحديا، يبدو أنه خطط لنا مثلما خططنا له، ظلت بيننا وبينه عشرة أمتار، لم يكن أمامنا خيار إلا مواصلة التقدم وإلا استشعر خوفنا وهاجمنا، وصلناه ولم يبق لنا إلا أن نستأذنه في المرور، نبحت أنثاه من بعيد فردت عليها جميع الكلاب المحيطة، نظر الكلب في وجهينا، أظهرنا له التحدي، فابتعد قليلا وتجاوزناه، ولم نكد نبتعد خطوات حتى صارت كل الكلاب تنبح خلفنا وتتبعنا، هرولنا عدة أمتار فهرولت خلفنا، تذكرت هذا الدرس، إذ علينا الوقوف في مثل هذه الحالة، توقفنا فتوقفت، لكن النباح مشتعل، صرنا نمشي قليلا فتتبعنا، نتوقف فتتوقف، إلى أن وصلنا.

 قال لي إسلام: أيعجبك حالنا؟ الرئيس ورئيس الوزراء والوزراء ورئيس التحرير وكل فئات الشعب نائمون ونحن نعاني كي نصدر لهم جريدة يقرأون فيها كل أخبار الدنيا إلا أخبارنا؟ فحاولت التسرية عنه قليلا وقلت ضاحكا: نحن – موظفي الجريدة- ممنوعون من نشر معاناتنا، فأن ننشر معاناتنا يعني أن نفضح رئيس التحرير والسلطة كاملة، لأنه عار على السلطة كلها وكل من قال إنه مسؤول أن يكون وضع موظفي الجريدة بهذه الصورة، ومع ذلك فكل معاناتنا تلك ومعاناتنا الكلابية هذه لن تغفر لنا إذا ما سهت عيوننا عن أخبار عاملي النهار ونقاباتهم ونشرنا نفاياتهم.   

 



أضف تعليقا

اضيف في 26 ابريل, 2008 04:18 م , من قبل amoo2005
من فلسطين said:

أخ منك ومن قلمك الجارح

من يقرأ مقالك يعتقد أننا نعيش بمزرعة كلاب ..

صديقي اياد تعلم وجهة نظري ببعض الكلاب لكني أعتقد أنهم طارئين على رام الله والبيرة ..

لك محبتي ودمت بخير من الله

ع.ســـامــح

اضيف في 27 ابريل, 2008 11:54 م , من قبل odad
من فلسطين said:

سااااااااااااااااامح
الله يخليك ما تورطنا
هذا رأيك وحدك
وأنا لا أعلم وجهة نظرك ببعض الكلاب

انا لا أتحدث عن كلاب بشرية بل أتحدث عن كلاب حقيقية
رام الله والبيرة ليلا مليئتان بالكلاب التي تتكاثر بسرعة انتشار النار في الهشيم

أتدري يا سامح
معظم الليالي بعد الساعة الواحدة أكون الكائن البشري الوحيد المتجوّل ليلا في شوارع وأزقة رام الله والبيرة، اما الكائنات الكلابية فتعج بها المدينتان.
أينما تولِّ وجهك ليلا فثمة كلب
تروح يمين .. هناك كلاب
تروح شمال.. هناك كلاب
ترجع للخلف.. هناك كلاب
تتقدم.. هناك كلاب

كلاب كلاب كلاب






أستميحك عذرا صديقي
فسأخالفك الرأي هنا
حفظك ربي وأبقاك
إياد



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية