..والمخفي أعظم!
إياد الرجوب
تصعد سيارة العمومي، فيقول لك السائق الذي لا تعرفه: "شُفْت هالمسؤولين؟ والله إشي بِخْزي". تلتقي صديقك فيسألك مستهزئا: أسمعت الأخبار؟ (طبعا يقصد الفساد). تذهب للعمل فيخبرك زميلك: "قرأت الآن خبرا على وكالة الأنباء يؤكد استدعاء أحد المستشارين الكبار للتحقيق"، وبعد ساعات يخبرك الزميل نفسه باستدعاء احد المدراء للتحقيق أيضا بتهم فساد، ويستدرك معلقا: "إذا وصل الفساد للإعلام؛ فعلى الدنيا السلام". تعود لبلدك فيستهزئ بك جارك الذي أمضى حياته في العمل داخل الخط الأخضر دون أن يظفر ببيت يؤويه: "شو يا أبو الشباب؟ مش قلت لك من زمان حاميها حراميها"؟
مر آذار وترك من الآثار ما لا يُنسى، مواطنون افتدوا بأرواحهم الأرض، ومسؤولون اغتصبوا الدار، شعب صبور يودع الشهداء، ومتنفذون جزعون يكدسون الملايين، فقراء ينتظرون تدني سعر الخبز، وأغنياء يزيدون فساد الطحين، عشرات آلاف المرضى يبحثون عن حبة دواء، وبضعة أشخاص يخبئون أطنان الأدوية في المستودعات، شبان عاطلون عن العمل، ومئات الملايين الفلسطينية تُستَثمر في الخارج، موظفون على رأس عملهم لا يتلقون رواتب، ومدراؤهم دومًا في سفر على نفقة الخزينة، حتى الجوالات التي ضُبطت مهربة في سيارة الرئيس الفلسطيني السابق، وصلت فضيحتها عنان السماء! كل ذلك إن دل على شيء فإنما يدل على أننا كنا نعيش في مستنقع تعجز لغة المقالات عن وصفه، ويؤكد أن ما يخفى عن القانون لا بد أن يكون أعظم.
ماذا فعلتَ بنا يا آذار؟ أيكون يوم هؤلاء قد انتهى وبدأ يوم الحساب؟ فالأيام تتوالى والفضائح تتزايد، وما حصل خلال الشهر الماضي يعيد إلى الأذهان ملفات قضايا وطنية كبرى أُغلقت "لعدم كفاية الأدلة"، وها نحن نحصد نتيجة إغلاقها، فالقضايا نفسها تتكرر، والفاعل دومًا مجهول وبريء، ودومًا هناك من ينبري للدفاع بالقول: "هناك جهات إسرائيلية تحاول تشويه صورة من تُوجّه إليه أصابع الاتهام"، أما ضحايا كل تلك الجرائم فهم وحدهم المعروفون.
أينما تولِّ وجهك فثمة لسانٌ يدور مثل مِغْزَل، لا ينفك عن التجريح، الكل يتوقف عند جرائم الفساد نفسها، ولا يتعداها للنتيجة، ولا يثني على مكتشفي تلك الجرائم، ولا يسعد بوصولنا لليوم الذي نرى فيه المسؤولين والمواطنين سواسية أمام القانون، فيبدو أن الجميع أدمن سماع عبارة "إغلاق الملف لعدم كفاية الأدلة"، ولم يعد يثق بالقانون، وصار بحاجة لمشاهدة محاكمات هؤلاء المتهمين على شاشة التلفاز كي يتأكد من نزاهة القضاء، وإلاّ؛ فالويل لرفيعي المقام من ألسنة العوام.








