أيها القروي عذرًا.. لقد ظلموك حيًّا وميتًا
بقلم: إياد الرجوب
قال أعرابي لأبي تمام: لِمَ لا تقول ما يُفهم؟
قال: ولمَ أنت لا تفهم ما يُقال؟
يحضرني هذا الحوار الموجز كلما مررت بظرف مشابه للظرف الذي قيل فيه، فكثيرا ما نقرأ نصوصا ولا نفهمها الفهم السليم، فنغدو نمدح أو نهجو دون أن نستبطن المعنى الذي أراده صاحب النص، وكثيرا ما نلقي باللوم على صاحب النص الذي رزقه الله بفطرة إبداعية تزين نصه بشيء من المجاز.
ومما لا نقاش فيه ولا جدال أن الشعر يحتل قمة هرم النصوص البشرية الغامضة، وكثيرا ما يبقى معناه في بطن الشاعر، غير أن القارئ ذا النظرة النقدية الواعية والذوق الشعري السليم والثقافة الواسعة، يستطيع سبر غور النص المستغلق على من اعتادوا أخذ المعنى المعجمي البسيط.
كثيرون قرأوا البيتين التاليين في مطلع قصيدة "حضن الام" للشاعر القروي رشيد سليم الخوري:
أتذكر كيف كان إله موسى إلها قاسيا يلتذ بالدم؟
إذا، فإليك كيف غدا حنونا علينا، إن تألمنا تألم
قرأوهما فعابوهما واتهموا الشاعر بما ليس فيه، بل تجاوزوا ذلك لتكفير كل من ينقل هذين البيتين عن الشاعر، وراحوا يحولون المسألة إلى تطاول على الإسلام والمسلمين وقذف في الذات الإلهية، وصُوِّر البيتان وكأنهما شعر دنماركي كُتِب للتطاول على الواحد القهار، بعد الرسوم الكاريكاتورية المسيئة لرسولنا الكريم عليه أفضل الصلوات والتسليم.
ما أغربنا نحن العرب! ديوان القروي موجود منذ عام 1956 في جميع المكتبات العامة ومكتبات الجامعات، وفي العديد من بيوتنا، وقصيدة حضن الأم موجودة في الديوان، لكننا ننتبه لما نريد وقتما نريد ونقرأ ما نريد ونهمل ما نريد، فلم نأخذ من هذه القصيدة سوى البيتين الأولين لنتخذهما مادة للقدح والردح والتسلق والادعاء، ولو أنعمنا النظر قليلا في اللاحق من أبيات القصيدة لوجدنا التوجه الإسلامي بارزا لدى الشاعر، حين يكمل:
وذلك انه من قبل عيسى توفي شاعر في الشرق، ملهم
أضاع العمر في طلب المعاصي، يحلل ما كتاب الله حرم
فكاد إلى اللظى يلقى جزاء، لما من سيئ الأعمال قدم
ولكن بره الأبوين غطى مساوئه، فخلص من جهنم
وجازاه الإله جزاء عبد تقي، حسبما في الكتب علم
ألا يبدو الطابع الإسلامي واضحا جليا في هذه الأبيات؟ من هنا كان علينا أن نحرف فهمنا للبيتين الأولين في اتجاه آخر، وهو الاتجاه الأصوب، فالمقصود بإله موسى في البيت الأول ليس الله جل في علاه، بل هو إله البراكين (يهوه) الذي كانت بعض القبائل على حدود فلسطين تعبده قبل وصول سيدنا موسى ومن معه إليها، حيث كان سيدنا موسى ومن معه مؤمنين يعبدون الله عز وجل، فاختلط الفريقان وتعاونا على فتح أرض كنعان، وتحت تأثير القبائل الأخرى اعتنق كثير منهم ديانة إله البراكين يهوه الذي شكل شخصية الإله البركاني الفظ السفاح المتعطش للدماء.
هذه الصفات كانت صفات الإله عند اليهود قبل قدوم سيدنا موسى، ومع التقاء جماعة سيدنا موسى وتلك القبائل حدثت ازدواجية في صورة الإله، فإضافة إلى الصورة الأولى ليهوه، أعطى سيدنا موسى صورة لله عز وجل وهي صورة الإله الرحيم العطوف الحنون، العادل.
لكن صورة إله البراكين يهوه كانت أكثر حضورا في وجدان اليهود، فراحوا يصورونه على انه هو إله موسى الذي يدعو إليه، ويمكن للراغبين في الاستزادة الرجوع للتوراة، سفر صموئيل الأول، الإصحاح الخامس عشر.
وعليه؛ يكون القروي في البيت الأول قد وظّف يهوه ليستهزئ به هنا، فكيف يمكن للإله أن يكون سافك دماء، وفي البيتين الثاني والأخير من القصيدة تأكيد من القروي على أن سيدنا عيسى عليه السلام مخلوق وليس إلها كما يزعم البعض.
وقد أظهر ذلك في وصيته التي سيرد ذكرها لاحقا، والتي دعا فيها إلى "نصرانية مختلفة عن النصرانية الشائعة الآن" وطالب بإحياء "الاريوسية" القديمة التي تتعامل مع شخصية المسيح على انه عيسى بن مريم، فهو نبي مكرم من أنبياء الله، وليس إلها. وقد أججت هذه النظرة لشخصية المسيح- التي تتطابق مع نظر القرآن الكريم- نار الحقد على القروي في صدور أدباء ونقاد وذوي نفوذ ثقافي واسع في لبنان. وكانت نتيجة هذه المؤامرة عليه إهمال القروي وظلمه سيرةً وأدبا وشعرا، ومنع تدريس شعره في البرامج التربوية الرسمية، وعدم الإشارة إليه في الأبحاث والدراسات التي تتناول تاريخ الشعر في لبنان علي مدار القرن العشرين الفائت.
كان القروي احد أنبل الرموز القومية العربية في عصره، فهو حكاية قرن كامل من الجهاد والصمود والنقاء، وتشكل سيرته حكاية مجد لأنها سيرة شاعر ومناضل شريف.
ومع ان القروي ولد مسيحيا، إلا أن إسلامه واضح تمام الوضوح في شعره ونثره. ففي مجموعة أعماله النثرية قال: "إن لنا نحن العرب دينا انزل على نبي عربي بلغة عربية في امة عربية ووطن عربي، وانه الدين الوحيد الذي يجمع إلى محامد المسيحية محامد العروبة، الدين الوحيد الذي يؤلف بين الفضائل المتفرعة من الشجاعة والمتفرعة عن المحبة".
ومن يتتبع الشاعر القروي في معظم أشعاره يجده يزخر بالروح والمعاني الإسلامية، حتى شكك بعض من عاصره بمسيحيته وادعى بأنه أسلم، لكن الراجح انه توفي على المسيحية، ومع هذا فإن أشعاره تثبت أنه كان أميل للإسلام منه إلى المسيحية، فيقول في إحدى قصائده:
يا فاتح الأرض ميداناً لدولته
صارت بلادُك ميداناً لكل قوي
يا قومُ هذا مسيحيٌّ يذكّركم
لا يُنهِض الشرقَ إلا حبُّنا الأخوي
فإن ذكرتم رسول الله تكرمة
فبلّغوه سلام الشاعر القروي
ويقول في أخرى:
شغلت قلبي بحب المصطفى وغدت
عروبتي مثلي الأعلى وإسلامي
أنا العروبة لي في كل مملكة
إنجيل حب ولي قرآن أنعام
ويقول في أخرى:
إذا حاولتَ رفعَ الضيم فاضرب
بسيف محمدٍ واهجر يسوعا!
أحبوا بعضكم بعضًا وعظنا
بها ذئبًا فما نجَّت قطيعا
ألا أنزلتَ إنجيلاً جديدًا
يعلِّمنا إباءً لا خنوعا!
ويقول في أخرى:
إني على دين العروبة واقف
قلبي على سبحاتها ولساني
إنجيلي الحب المقيم لأهلها
والذود عن حرماتها فرقاني
سوريا تحتفي بالشاعر وتكرمه
ولد القروي عام 1887 وفي سبابه ارتحل إلى البرازيل طلبا للرزق وعاش هناك كأحد أبرز أعلام العصبة الأندلسية، ووصفه كثيرون بأنه شاعر العروبة الأكبر، وفي عام 1958 وجهت إليه الجمهورية العربية المتحدة دعوة لتكريمه تقديراً لخدمته قضايا الأمة العربية في المهجر، فلبّى الدعوة وشدّ الرحال ووصل إلى ميناء اللاذقية وكان في استقباله وفد رسمي مؤلّف من الدكتور أمجد الطرابلسي وفؤاد الشايب ومنصور الأطرش، ولدى وصوله إلى دمشق استقبله جمهور غفير من وفود رسمية وأدبية واجتماعية للسلام عليه والترحيب بمقدمه بعد غياب طويل استمر خمسة وأربعين عاما. وعند نزول القروي من الباخرة أخذ ينشد:
بنت العروبة هيئي كفني
أنا عائد لأموت في وطني
أقامت وزارةالثقافة السورية على مدرج جامعة دمشق مهرجانا تكريميا للشاعر القروي في 15 نيسان1959 رعاه نائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة أكرم الحوراني، وألقيت في الحفلكلمات وزير الثقافة حينذاك رياض المالكي ود. جميل صليبا والأديب فؤاد الشايبوالأستاذ عارف النكدي والشاعر أنور العطار، وجاء في كلمة وزير الثقافة:
"كان دورالشاعر الكبير الذي نحتفي به اليوم في الطليعة من هؤلاء الرسل الطيبين، فهو منأعلام الفكر العربي ومن رواد القومية العربية".
ثم جاء دور الشاعر القروي فصعد إلىالمنبر وألقى كلمة جاء فيها:
"أما بعد، فما أكثر ما علي من الديون، وما أعجزني عن الوفاء، وما أوفر أسباب حبوري وما أعياني من التعبير، أراني في بلادي الحبيبة أسعدخلق اللـه..
وبعد يا سيداتي وسادتي فماذا أقول في دمشق؟ ماذا أقول في عاصمةالعواصم وأم التاريخ، ماذا أقول في الفيحاء، منبت العز ومهد البطولة وقلب العروبةالنابض بالحياة الزاخر بالحماسة، العامر بالإيمان، ماذا أقول في زعيمة ثورات الحريةرافعة علم العروبة فوق كل علم، وضاربة المثل الأعلى في الجهاد والتضحية وسحقالأنانية في سبيل الوحدة العربية وتحقيق أماني شهدائها الخالدين! ماذا أقول فيشعرائها وشاعراتها وأدبائها وأديباتها وأرباب صحفها الذين أصفوا لي المودة وحاطونيبالعناية وأوسعوا لي في المجالس والصدور، وقلدوني من ثنائهم عقودا تزري بكل مااختزنت أحشاء البحار من لآلئ؟". وبعدها أنشد القروي قصيدته "عودة الشاعر"، جاء فيها:
حتام تحسبها أضغاث أحلام
سبح لربك وانحر أنت في الشام
لم يأذن اللـه يا بوق العروبة أن
تقضي الحياة غريبا بين أعجام
يا آل (جلق) يا أزكى الأصول إذا
باهى السراة بأصلاب وأرحام
وبعد حفل التكريم بأيام منحالرئيس جمال عبد الناصر الشاعر القروي وسام الجمهورية تقديرا لمواقفه القومية وشعره الوطني والإنسانيالرائع، ثم كرمته الحكومة السورية بتخصيص راتب شهري مدى الحياة.
ومن قصائده الرائعة في هذه المناسبة (نشيد سوريا) التي جاء فها:
نحن أشبال الأسود خير الجدود حمر البنود
من تساموا بالفعالِ بين الرجالِ أهل المعالي
ركبوا متن البحارِ إلى الفخارِ قبل البخارِ
ملأوا الأقطار فضلا يجرون عدلا يعطون سؤلا
وكذلك قصيدته التي ختمها ببيته الشهير:
كل حيّ إلى الشآم سيمضي
حين يُقضى، إن السماءَ الشآمُ
وأخيرا حققالقروي حلمه بأن يقضي بقية عمره في وطنه بين أهله وأحبائه، حتى وافته المنيةفي فجر يوم 27 آب 1984، فنعته الصحف والإذاعات، وانهالت على أسرته التعازي من الكثيرين، وعلى رأسهم الرئيس السوري السابق حافظ الأسد الذي كان يجل الأدب والأدباء، فعزى أسرة الشاعر ببرقية لا أرق منها ولا أرحم.
وصية الشاعر:
في نهاية حياته أوصى الشاعر بوصية غريبة طريفة، فلم يكن فيها مسيحيا خالصا ولا مسلما خالصا، بل كان ذا شخصية مزدوجة بين هذا وذاك، إذ طلب الشاعر في وصيته أن يُصلي على جثمانه شيخ وكاهن، والاقتصار على تلاوة الفاتحة والصلاة المسيحية.. كما طلب "أن ينصب على قبره شاهد خشبي متين في رأسه صليب وهلال متعانقان رمزا للديانتين الإسلامية والمسيحية".
قالوا في القروي:
أكرم زعيتر: "لو صح أن يكون للوطنية قديسون، لكان الشاعر القروي أحدهم".
نظير زيتون: "ولد القروي مع الأعاصير في الغابات،...، ولد مع الدمع الأخرس اللاهب في غصة اليتيم، وزفرة المنكوب، وعثرة الكريم، وكربة المظلوم، ولد الشاعر القروي مع امته في شروقها وغروبها، ومدها وجزرها، وخمرها وخلها".
انس داود: "هو اعظم الشعراء الذين كتبوا عن الأمومة وحنانها،...، وأكاد اجزم أن ليس هناك إنسان قرأ قصيدة للقروي إلا أحبه واحب شعره".
محمد أسعد النادري: "شخصية القروي شخصية الإنسان الرقيق القلب، المتدفق الإحساس، المنهمر حبا شاملا لا يغادر من الوطن حيا ولا جمادا إلا استقر فيه، لقد أحب القروي حتى أعداءه"، فيقول:
تحيّر بي عدوي إذ تجنّى
عليّ فما سألت عن التجني
وقابل بين ما ألقاه منه
وما يلقى من الإحسان مني
أود حياته ويود قتلي
وكم بين التمني والتمني
من فلسطين