في الذكرى الرابعة لاغتياله
أصعب لحظات حصار الرئيس الراحل عرفات في رام الله
من 29/3- 2/5/2002
إياد الرجوب
ها هي الذكرى الرابعة لرحيل الرئيس عرفات مسمومًا تطل علينا هذه الأيام، فقد غدرنا الحادي عشر من تشرين الثاني عام 2004، وأخذ منا من لن تنجب فلسطين مثله.
ما أطول اللحظات التي يمر المرء فيها تحت امتحان انتظار الشهادة! فيخال أن الزمن قد توقف أو أن الساعة امتدت لتصبح يوما او دهرا.
وكم هي طويلة تلك الأيام التي قضاها الرئيس محاصرا في مقره بدءا من 29/3/2002، منتظرا اللحظة التي سيدخل فيها عديم ضمير إلى مكتبه أو يسقط فيها صاروخ أرعن من صواريخ وزير الحرب الإسرائيلي في حينه شاؤول موفاز "ليقضي على عرفات بطريقة مناسبة" كما أعلن، فلا أظن أن الرئيس صدّق للحظة انه لن يتم المساس به، رغم كل التعهدات الدولية وحتى الشارونية، فإن من يكون أمام فوهة بندقية القناص لا يمكن له أن يأمن عدم تحريك الزناد.
أبو عمار اجتاز اختبار الحصار باقتدار، واستطاع أن يقود شعبه من خلال الهاتف ويشدّ من أزره بأفضل وسيلة أمام وجه آلات الدمار التي لا تعرف غير الإبادة، فقد أعلنها منذ اليوم الأول للحصار أن أقصى ما يمكن أن يفعله به شارون هو تحقيق أمنيته في الشهادة، وهذا ما جعل الشعب كله يتفانى ويقدم روحه فداء لهذه الأرض التي يتمنى أن تحتضنه شهيدا.
فشلوا في تركيعه.. فسمموه
ومع ذلك، فقد فشل شارون في تحقيق أي نتيجة لصالحه بحق ياسر عرفات، فلم يصل إليه طيلة فترة الحصار، وقد خرج الرئيس من مقره في الثاني من أيار عام 2002 بعد فترة ضغط وتضييق وخنق لا تعد بالأيام، خرج سالما معافى، ولم يمسسه سوء، أما حجب الماء والغذاء والكهرباء عنه فلم يكن بالنسبة للختيار سوى مناسبة لاستذكار أيام الشباب، فعاد شابا بحق، وما رأيناه منه بعد فك الحصار ومصافحته أبناء شعبه في رام الله بحرارة، ليس له من وصف بديل إلا الجرمق يهز الجليل.
لم يرق للإسرائيليين أن يروا كل هذا الصمود لهذا الجبل الصامد الذي لا تهزه الريح، فوجدوا طريقهم إليه من خلال السم.. به فقط استطاعوا أن يغتالوك يا أبا عمار.
تجارب في انتظار الشهادة
أعي تماما صعوبة انتظار الشهادة تحت القصف، فقد مررت بذلك عدة مرات في البيت وأثناء عملي داخل مبنى الجريدة، ولعل وصف ليلة واحدة يفي بالمطلوب.
انتظار الشهادة في العمل
اقتربت الساعة واختفى القمر.. لحظات ترقب في المكان.. حيطة وحذر.. صمت وسكون في الخارج، الناس أنهوا كل أعمالهم ودبروا شؤونهم واختاروا ملاجئهم قبل أذان المغرب.. سكون وصمت.
نشاط وعمل متزايدان داخل مبنى الجريدة.. انهماك جدي.. الهاتف والفاكس لا يتوقفان.. المحررون يسارعون لإنجاز عملهم قبل بدء تبادل إطلاق النار.. فمبنى الجريدة واقع بين مستوطنة صهيونية ومنطقة الرمي الفلسطينية، موظفو الصفّ لا تلمح لهم أصابع ثابتة على لوحات مفاتيح الحواسيب.. لا تكاد تودع المادة المصفوفة لأحد المدققين اللغويين حتى تجدها مصححة أمامك.. موظفو الإخراج والمونتاج يتحدّون الجميع في السرعة والإنجاز.. وعمال المطبعة ينتظرون الجميع بشغف.
فجأة بدّد سكون الخارج صوت إطلاق نار.. صاح أحد الزملاء: "بلّشوا"، .. حالة هلع في الداخل.. إطلاق نار في الخارج.. "عن جد بلّشوا"، .. قنابل مضيئة تضيء سماء المنطقة.. صمت وسكون في الداخل.. إطلاق نار متقطع ثم قصف عنيف.. لا يوجد ملجأ آمن في المبنى.. حتى ما خيل أنه آمن وصل إليه الرصاص المرتد.. صوت تكسّر زجاج النوافذ لا يتوقف إلا بتوقف القصف.. هذه رصاصة 800 ملم تعطب الحاسوب فتفوح منه رائحة أسلاكه المحروقة، تنظر للستائر فترى الثقوب موزعة على مساحتها.. سكون لبضع دقائق.. قصف.. قصف ثم قذائف.. قصف وقصف وقصف ثم قصف.. سكون ثم قصف متقطع حتى الصباح، فيذهب كل منا لبيته.
انتظار الشهادة في البيت
بيتي لم يكن يبعد عن مقر الرئيس (المقاطعة) سوى خمسمئة متر، كنت أنام وأصحو على أصوات القنابل والقذائف وإطلاق النار، فأقول في سري: إذا كان هذا هو الصوت بقوته على بعد خمسمئة متر من مصدره، فكيف هي قوته عند الرئيس والقذائف تضرب جدران المقر؟
كانت عزيمتنا تزداد قوة مع كل كلمة نسمعها من الرئيس على التلفزيون، لقد قال صادقًا: "يريدوني طريدا او أسيرا أو قتيلا، وأنا بقول لهم: شهيدًا شهيدًا شهيدًا"، كان ذلك حافزا لكل فلسطيني لأن يكون شهيدا، بدلا من الرئيس أو معه.
فجأة اقتحم جنود الاحتلال العمارة التي أسكن فيها، كنا في الطابق الثالث، صوت الرصاص ينبعث من الطابقين الأرضي والأول، خبر عاجل على التلفزيون: "قوات الاحتلال تقتحم عمارة خلف مؤسسة دراغمة وأنباء عن خمسة شهداء"، يا إلهي! إنهم يقصدون عمارتنا، إذًا، خمسة شهداء في الطابق الأول. كانوا يقتلون كل مسلح، ويا هول مأساتي، فقد آويت عندي في البيت أحد عشر عسكريا بأسلحتهم، فإن صعد جنود الاحتلال إلى شقتنا يقينًا أنهم لن يبقوا فيها أي حي.. عشنا لحظات انتظار الشهادة ثانية بثانية.
حتى اليوم لا أدري لماذا لم يصعدوا للطابق الثالث، فلو صعدوا لاستشهدنا جميعا. فالـ11 قطعة سلاح من نوع كلاشينكوف التي كانت لدى من آويتهم من جنودنا في الشقة كانت بلا ذخيرة، ولم يكن حَمَلتها- جنودنا- قادرين على حمايتها، فبعد يومين أمّنت لهم شقة في الطابق الثاني ليرتاحوا فيها، لكنهم لم يجرؤوا على أخذ سلاحهم معهم.
عندما اقتحم جنود الاحتلال مدينة رام الله، صارت شوارعها مرتعا لدبابات الاحتلال، وغدت بيوتها مجسمات حية للتدريب الحي على إطلاق الرصاص الحي، كانوا يطلقون النار على كل من يرونه في شارع أو على سطح منزل.
وفي كل يوم من أيام القصف والحصار يشاء القدر أن نبقى أحياء، وبمعجزة إلهية لم يُصب أيٌّ منا بسوء، حتى في اليوم العاشر للاجتياح الكبير، وما أدراك ما يوم العاشر، كان القتل أخف وطأة من اليوم الأول، أمرنا الجنود بالنزول من العمارة إلى الساحة الأمامية، كانت في أُذن كل منا فوهة بندقية لجندي إسرائيلي ينتظر منا أي حركة حتى يطلق النار.
سحب جندي مجرم صديقي مؤيد من بيننا ودفعه خلفنا تجاه بيت الدرج وسمعنا صوت إطلاق ما يزيد على عشرين رصاصة، ظننت الجندي أفرغ باغة بندقية الإم16 في جسد صديقي، وترحّمت عليه، فتبين لي بعد زوال الهجمة أن ذاك الجندي الحقير قد وضع فوهة البندقية على كتف مؤيد وأطلق النار باتجاه الجدار داخل بيت الدرج مستخدما إياه درعا بشريا لاقتحام العمارة والصعود للأعلى.
كان علينا أن نبقى أحياء
لقد كان علينا أن نبقى أحياء لنعرف اليوم كم كان الصمود بعد "أوسلو" كذبة كذبناها وصدقناها، من جهتين، الأولى: اكتشفنا بعد فوات الأوان أننا في تلك اللحظات التي واجهنا فيها الشهادة في الجريدة لم نكن سوى أدوات يستخدمها القائمون على الجريدة لسير العمل كي تبقى مكاسبهم ثابتة، ولم يكن همهم صدور الجريدة كتعبير عن إرادة وطنية فلسطينية بمواصلة الانبعاث كل صباح. أما الثانية فهي أننا كنا نظن شعبنا موحدًا خلف هدف واحد وهو مواجهة الاحتلال، لكننا اكتشفنا أننا أشد إجراما بحق إخوتنا من الاحتلال.
كلمة أخيرة:
وحده من عانى ويلات القصف وانتظار الشهادة يمكنه أن يقدّر قيمة الوحدة الوطنية ويحترم كفاح الرئيس وصموده حتى آخر قطرة سمّ من أجل شعبٍ بسيط لا يفهم من السياسة سوى معنى الحرية، لكن قادة فصائله لا يفهمون السياسة إلا كمصطلح مرادف لـ"فن إدارة المصالح".
من فلسطين